قضايا المجتمع

السويداء بين الأمس واليوم “السارق من السارق كالوارث من أبيه”

“يقول أرسطو: يشعر الإنسان بأنه رهن قوة داخلية، تتغلب في كثير من الأحوال على ما هو متعارف عليه من أخلاق ومثل عليا، وإن خير علاج هنا هو توجيه الإنسان ذاتيًا، من أجل أن يتجه نحو كل ما هو خير، والابتعاد عن كل ما هو شر، بعد ذلك يأتي العدل في تقييم نشاط الإنسان، لكي يحظى بالجزاء أو ينال العقاب”.

كل إنسان يحمل في ذاته قانونًا أخلاقيًا، ويحمل التناقضات الطبيعية، أي ما هو سالب وما هو موجب، وهذا ما يتجلى في سلوكه، وبالتالي ينعكس إما سلبًا أو إيجابًا على المجتمع ككل.

حين يقدم الإنسان على عمل ما، يدرك مسبقًا ما هو هذا العمل وما ينتج عنه؛ فينطلق من مستوى إدراكه للقيام به، ومن هنا نستطيع أن نتوخى الدقة في الحكم على سلوك الأشخاص وأخلاقهم.

تُرى هل يدرك البعض من أهالي السويداء ما تقترف أيديهم من أخطاء في السلب والنهب أو ما يسمى (التعفيش)، وهل من دوافع أساسية تدفعهم إلى هذا العمل المشين والمسيء، لكل من ينتمي إلى هذا المجتمع؟

استفحلت الطائفية المستبطنة في المجتمع السوري بعد عام 2011، لتطفو على الملأ؛ واستفاق الاقتتال النائم منذ سنوات خلت، فآلت بنا الحال إلى ما نحن عليه الآن، من قتل وتدمير وسرقة ونهب ممتلكات الآخرين، وبات الحديث في هذا الموضوع مبتذلًا وناقصًا، مهما بدا الشخص ملمًا به. ما يثير الدهشة هو ما يحصل هنا الآن، من بعض أصحاب النفوس الضعيفة في محافظة السويداء، التي باتت لعبة في يد السلطة وأصحاب النفوذ في المحافظة، في استغلال الظروف الصعبة التي تمر بها محافظة درعا، وسرقة ممتلكاتها والعبث بخيراتها الزراعية والصناعية، مع العلم أن أهالي المحافظة احتووا النازحين من درعا، وكافة المحافظات السورية المنكوبة، وكان الاتجاه نحو الاندماج بين أهالي السويداء والنازحين أقرب منه إلى النبذ، كما أن السويداء أو جبل العرب كانت ملجأً آمنًا للخارجين على السلطة العثمانية، ثم على سلطة الانتداب الفرنسي، فيما بعد؛ إذ إن عددًا من أعضاء الجمعيات السرية، ممن شاركوا في الثورة العربية بين عامي 1916– 1918، كانوا قد لجؤوا إلى جبل حوران عن طريق بلدة جرمانا، في ريف دمشق، حسب ما ورد في كتاب انتفاضات جبل الدروز -حوران- من العهد العثماني إلى دولة الاستقلال، لبرجيت شيبلر. السويداء في الأمس ليست السويداء اليوم؛ هذا النهب المنهجي لا ينم على حاجة بعض أهالي السويداء المادية؛ إنما ينم عن روح انتقامية إجرامية غرستها الأجهزة الأمنية في ذهنية الأفراد المتخلفين في المحافظة (بحجة حماية الأقليات)، الذين لا يدركون عواقب أفعالهم الوخيمة.

الجدير بالذكر أن ما يجري اليوم في السويداء، هو صورة مصغرة عمّا جرى في المحافظات السورية التي شهدت اقتتالًا فادحًا، خلال السنوات الماضية التي جعلت تجّار الأزمات يزدادون جشعًا وتسلطًا على ممتلكات المواطنين المهجرين، تلك الممارسات هي عمليات منهجية متكاملة، تسلطية همجية، تهدد اتساق المجتمع على المستويين القانوني والأخلاقي، وتهدد تنشئة الأطفال الذين يشهدونها، وتدفعهم إلى انحرافٍ أخلاقي لاشعوري، قد ينتج عنه في المستقبل مجتمع أكثر انحلالًا على المستوى الأخلاقي.

إن ظاهرة (التعفيش) في مرحلة الحرب، وغياب القانون في هذه المرحلة، تثبت عدم وجود قانون في الأصل، ذلك لأن أفراد المجتمع، كالمجتمع العربي بعامة والمجتمع السوري بخاصة، غير متصالحين مع القانون من الداخل، وهو غير سارٍ على جميع الأفراد بالتساوي، وبالتالي الخروج عنه يبدو أمرًا طبيعيًا وغير مستهجن، فالذات الإنسانية أو النفس البشرية؛ تقبل جميع الصور والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية، وتؤول الأشياء غير المشروعة إلى حق مشروع كمقولة “السارق من السارق كالوارث من أبيه”، والبعض يعتبرها مقولة دينية أو حديث أو آية قرآنية، فيتشبث بها على أنها قول مُنزل، مع أنها مقولة أو مثل شعبي ليس إلا. ويقول مسكويه: “إن أنفسنا تقبل صور الأشياء على اختلافها من المحسوسات والمعقولات، على التمام والكمال، من غير مفارقة للرسم الأول، الصورة الأولى تبقى تامة كاملة، ثم تقبل النفس بعد ذلك صورة بعد صورة، دون أن تضعف أو يطرأ عليها شيء من القصور، النفس إذن لا يلحقها فتور ولا تعب ولا كلال”، في اعتقادي أن للمعرفة دورًا كبيرًا ومهمًا في التقاط النفس أو الذات للصور، فالنفس العارفة تستطيع أن تلتقط الصورة الحقيقية للظواهر والأشياء، أما الذات غير العارفة فتلتقط الصورة حسب مستوى وعيها، وحسب مصلحتها الشخصية، من هنا يظهر التباين والتمايز بين أفراد المجتمع في الثقافة والمعرفة المؤسسة للسلوك.

السرقة ليست من عادات أهالي السويداء، ولا إيذاء الجار أيضًا، ولكن البعض يأخذ من الموروث الاجتماعي أو الثقافة البائدة نصًا ويحوره على هواه؛ كالدفاع عن الأرض والعرض، فهل الدفاع عن الأرض والعرض يتطلب السرقة والنهب، أم أن النزوع إلى الملكية والسلطة الموعودة هو من دفع بهؤلاء إلى الانحراف الأخلاقي؟

يقول عالم الاجتماع الشهير أنتوني غدنز: “إن دراسة جريمة الانحراف معقدة ومراوغة وصعبة جدًا في علم الاجتماع المعاصر؛ على الصعيد الفردي، قد يشعر الواحد منا بأن المنحرف غير عادي، أو غير سوي، في كثير من الأحيان، كما أن سلوكه يساعدنا على فهم مواقف الآخرين وسلوكهم، أفرادًا وجماعات ومؤسسات، من حيث كونه تصرفًا عقلانيًا رشيدًا، أو غريبًا أو مستهجنًا أو خطيرًا على السواء”. حديث غدنز ينطبق تمامًا على ما يجري الآن في السويداء، فهي تعيش حالة فرزٍ حقيقي؛ حيث إن سلوك المنحرفين جعلنا نعرف المواقف المضادة في المجتمع، فبعض القرى أقفلت مداخلها في وجه قاطرات (التعفيش)، وقرى أخرى أحرقت القاطرات بما فيها من أشياء مسروقة، وقام ناشطون من منظمات المجتمع المدني بحملات تنديد بتلك الظاهرة، وتحريك الرأي العام من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وبالمقابل جرت اشتباكات عنيفة بين السارقين أنفسهم، نتيجة خلافات على تقاسم الغنائم، وكان ضحيتها ثلاثة شبان منحرفين.

هذا التباين في الذات البشرية يدفعنا إلى البحث والاستقصاء في مسألة توزيع السلطة والقوة في المجتمع، وإلى البحث في التفاوت والتأثير الذي تتركه تلك الممارسات، والتأثر بقوة النفوذ الطبقي والسياسي على الخارطة الاجتماعية.

نتساءل: هل خرجنا من التوحش إلى المدنية، ولم يخرج التوحش منا إلى هذه اللحظة؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق