أدب وفنون

(لا ماء يرويها) رواية التأسيس للوجع والحرية

تؤسس رواية (لا ماء يرويها)، وفقًا لأنساقها المعرفية ومجمل تعبيراتها، لرواية سورية مغايرة، يشكّل عطش الروح المتجذّر في متلازمة الحب/ الحرية، الحبلَ السري الناظم للسردية الروائية، والمتحكم بمجمل إيقاعاتها وتقاطع مصاير شخوصها وأحداثها، في فضاء روائي، تشكل محافظة السويداء بيئته الجغرافية والاجتماعية، وامتداداتهما الطبيعية إلى دمشق ولبنان وغيرهما. وإذ يتجاوب هذا الجوى كإيقاع جوّاني مع عطش الحواس الواقعي، فإنهما يجسدان معًا حالة اللَهف المعوز إلى الإرواء، تجسيدًا لدلالة العنوان (لا ماء يرويها) في قاع اجتماعي، ينهكه تضافر العطشين والفقر والجهل، ويثبّت أهله في موقع الضحية والجلاد في آن واحد.

أبرزت الكاتبة نجاة عبد الصمد هذين الأثرين، المادي المعنوي للعطش، عبر التصادم المباشر بين جيل انتقالي، تمثله في الرواية؛ نخبة من فتيات المدارس الطافحات بحلم الحب والحرية، وجيل الآباء المتمترس خلف قيم بالية، يستعيد بها بعض اعتباره وتوازنه، في ظلّ عسف سلطوي، يشيح بنظره عن الحلول المجدية لمنطقة جافة، لا يسعفها سوى وادي (راجل) الذي إن حصل وتدفق، فإنه سرعان ما يختفي.

في محاكاة الكاتبة للواقعية السحرية، حملت السردية خصوصيات لأماكن دينية ولأشخاص، يشكلون جزءًا من يوتوبيا شعبوية، تضفي عليها شيئًا من الغرابة والقداسة، ومنها سر أحجار الكنيسة والربدة والحوار اللافت المفترض، بين الحسين ويوحنا المعمداني، المتجاورين في قبريهما في الجامع الأموي في دمشق، بينما ظلت زين المحضر امرأة واقعية ومثالًا للتدين المعتدل، وتقديم خدمات كانت قد تعلمتها من زوجها (سلامة)؛ المتديّن المتقشف والمتشدد، حتى إنه يطّلق زين المحضر على الرغم من حبه لها، وذلك لمجرد قبولها هدايا مقابل خدماته المجانية للناس، وفي البناء السردي الفني للرواية، زحزحت الكاتبة أزمنة الفصول فقدّمت وأخرّت وداخلت بين أحداثها، من دون أن تفلت خط سيرها الأساسي، واخصبت لغة السرد بتناوب الرواة وتداخلهم مع الراوية الرئيسية (حياة)، وأشركت القارئ في إعادة ترتيب أجزاء الحكاية، وفك اشتباكاتها الزمنية والظرفية، كما أفسحت في الفصل الأخير لنجوى حميمية، استنفدت كل حاجة (حياة) حبيسة غرفة الكَرش، إلى التفريغ العاطفي التعويضي، لكل مؤونتها من الكبت العاطفي المرير.

وككل أبطال الحرية والدفاع عن حقوق المرأة والجندرة، ولاسيما د. نوال السعداوي، شحذت الكاتبة نجاة عبد الصمد أهمّ أسلحتها الفكرية ومهاراتها اللغوية، وفتحت حوارها الجريء والصادم لتنبيه الوعي السكوني، فحققت فيه اختراقًا غاية في الأهمية، حين فرضت على حراس الفضيلة المزعومين، أن يواجهوا طائعين أو مرغمين، هزها لأعمق مكونات ثقافتهم ووعيهم، وأضفت على المحمول (الموضوع) على الرغم من بشاعته، متعة السرد اللغوي وتشويقه واستشرافاته، وقدمت عبر توليفات للتناغم الهرموني بين إيقاع الفكرة وتعبيراتها اللغوية ومناخاتها النفسية، مشاهد درامية، منها ما شخصته الأم من مظاهر العنف، كإشارة من الكاتبة إلى مرجعية اجتماعية عميقة للعنف العام، وإلى أنّ المرأة في المجتمعات الذكورية، قد تأخذ دور سلطة الظلّ المكملة لدور الرجل، كما ظهرت في مرويات عديدة، فهذه (ذهبية) التي تزوجت من ابن عمها مرهج أبو شال مرغمة، إثر تجريمها بواقعة حب، تأخذ دور عسكر الطاغية، إذ تسوق ابنتها “حياة” (المطلقة العائبة) إلى حبسها الانفرادي الأشبه بالزنازين، لضبط لقائها بحبيبها ناصر؛ الفدائي العائد بعد غياب عشرين سنة، على الرغم من رفضها فكرة الهرب معه إلى رومانيا، وها هي تمسرح حكايتها: “تلكّأتُ في انحداري إليها عبر الدرج الداخليّ شبه المهجور لا ضوء يكفي لأرى حواف الدرج المفتّتة، ولا درابزين يُسوّرها لأتكّئ عليه، عند الدرجة الخامسة نزولًا توقفتُ لأشدّ حمّالة الجراب، لكزني عكّازُ أمي في ظهري”. وكذلك سيعثر القارئ على المزيد من جماليات السرد، المتمثلة بتنوعه وغناه وتعدد الأصوات فيه، وسلاسة التعبير ويسره وتلوينه، وتباين سرعة إيقاعه والرتم المتولّد عنه، وبكل ما يطلق سراحه على سجيته، متنقلًا بين الفصيح والعامية ومدعمًا بالأغنيات والشعر، وتردد صدى المسبة الوحيدة، التي تأتي كتفريغ عاطفي وتنبيه استثنائي، في مفاصل حساسة من السردية: “ك.. أمّك يا ناصر”، وهي واحدة من توظيفات كثيرة، تشير إلى أنّ الكاتبة، تكتب بجوارحها وأحاسيسها وتعيش بوجدانها أدوار بطلاتها، وأن أجزاء من مروياتها وأحداثها، قد سمعتها في عيادتها كطبيبة نسائية عريقة ومن المجتمع.

إذا كانت الرواية فعلًا إبداعيًا ديمقراطيًا وتغييريًا؛ فإنّ قراءة هذه السردية الروائية المتحاورة مع تعرجات الزمن والمتوغلة في تفاصيله المكانية والبيئية والأخلاقية، رغم نسبية الحقائق الإبداعية وانفتاحها على إمكانية التأويل الدلالي، تضعنا في مغبات التصادم مع مجتمع، ينطوي بثقافته وأنماط تربيته على العنف، وهو مؤهّل بموجبه ليمارس دور الطغاة؛ ما يضعنا في خطّ المواجهة الفكرية والوجدانية معه، ومع مجمل ما يحمله إلينا النسق السردي من الواقع الاجتماعي المتشظي، بين الجغرافيا والبيئة الجبليتين والبيئة الاجتماعية والثقافية، كمعوقات وصعوبات وجودية مولدة للقلق الفردي والاجتماعي، مضافًا إلى القلق السياسي والديني والاجتماعي، بوصفها جميعًا، تجسّد أزمة وقلق الانتماء، في ظلّ ازدواجية ثقافية وقيمية متجاذبتين، كما برزت في السرد الروائي.

هكذا عبرت الكائنات الافتراضية النسائية، المتموضعة في بؤرة الاستنارة من هذه الرواية، عن المفاهيم الأولية للحرية، وعن التوق إلى التحرر من الواقع العياني العاري للظلم، وعبر تطويف اللغة في أمداء التخيّل المبني على ضفاف واقع شرس، بحواف حادة مؤداها: “إن تكوني امرأة، هذا ألم. تتألمين حين تصيرين صبيّة وحين تصيرين حبيبة، وحين تصيرين أمًّا…”.

هكذا تجلت لغة الوجع الأنثوي الكوني، في مجتمع يصوغ قوانينه ومعاييره بحدّ السيف، وسيبدو هذا السلوك الفظّ طبيعيًا ومتماشيًا مع النسق السردي الذي ثبتته الكاتبة، كمفتاح أولي في مقدمة الرواية، وجاء في قول للشاعرة البلغارية (بلاغا ديمتروفا): “ولكن ما لا يطاق على هذه الأرض، هو أن تكوني امرأة”. من هنا يبدأ هذا العطش الكياني المزدوج بالتعبير عن رفضه بعد أن وعى ذاته، ومثلته (حياة) بدلالة اسمها، وبما عبرت عنه بثقافة نظرية، تجاوزت بآفاقها ما تحتمله بيئتها الغارقة في الجهل، حيث جاء حبها المتمرد والمستمر، كردّ فعل طبيعي على الخلل الكبير في تجارب، جسدت حالة الاغتصاب والبيع في سوق النخاسة الملطّف، بعقود وشهود وحفلات ومباركات، كما تردّد في مرويات خطية وشفهية ويوميات وروايات، يندرج معظمها في هذا النسق الفكري ونواظمه الأخلاقية، المجسّدة للعرف العام الأخطر ربما، من أيّ قانون مكتوب، ولا سيّما عند الذين توافقوا وأضمروا، أن للمرأة في حياتها (مآتم سبعة)، وبموجبها تعود (نجوى) من البرازيل من حضن عريس أرادها سلعة، ولتتوافق مع مصير زميلتها (حياة) المحبة المتأججة التي وقّع والدها لـ خليل الهمجي، الميسور الحال، رخصة اغتصابها: “كلما اقترب مني خليل غازيًا كقرصانٍ إفريقيّ، ستؤلمني معدتي، وتنبت على جلد أذني فقاقيع هشّة كالزجاج، رخوة كالعنب المسلوق في حرّ آب”.

كذا شكّل تسلط الأبوين والمجتمع في الرواية، أكبر تعدّ على الأخلاق، التي يدّعي حمايتها، وشرّع بعقوده الاغتصاب الجنسي والعاطفي تشريعات وأعرافًا، مكّنت ذكوره من التعالي على وعيهم المأزوم وعقدة الذكورة، بمزيد من التسلط على المرأة ومنعها من خيارها الحر، فكان طبيعيًا، أن يدفع الجميع التكاليف الأخلاقية والاجتماعية العالية، وأن يأتي الجنس في الرواية منحرفًا متوحشًا ومنفرًا، وهو ما عملت الكاتبة على تشريحه ببراعة، عبر سلوك خليل الجنسي الشاذ وجوعه الغرائزي وكلبية أخلاقه، ومن خلال فقده لشرطه الإنساني، ليس بانفصاله عن الحب فقط، بل في جبله بقوة القهر المادي وقوانين السلعة واحتقار الشريك، ليتداخل في المنحى العام للرواية تحرير المرأة والإنسان جسدًا وروحًا بالحرية كضرورة وكجوهر وحياة.

هي ذي صرخة ألم وعطش الرواية العميقين، لكاتبة تؤسس لنسق فكري تحرري، تخوض في تفاصيله وتتحمل تبعات مواجهته ومعاينته، بثقافتها المهنية والعامة، وليكون محط اقتحامها الجريء لعمقه العاري، وبما قد يذكرنا ببعض مناخات رواية القاع (الخبز الحافي) لمحمد شكري.

مقالات ذات صلة

إغلاق