تحقيقات وتقارير سياسية

عن إخضاع المهجرين السوريين

أن يبادر حزب إيران اللبناني بفتح مراكز تُجبر المهجرين السوريين في لبنان على تسجيل أسمائهم للعودة الإجبارية، فهذا ليس آخر الإجراءات بحق المهجرين والنازحين، ليس في لبنان فحسب بل في معظم دول الجوار التي تنتهج إجراءات لا تقلّ في ضغطها عن إجراءات ميليشيات (حزب الله)، لكن عنصريتها المتصاعدة في لبنان تجعلها في صدارة المشهد. فالوضع في مخيمات الزعتري الأردنية وعلى الحدود التركية ينذر بشيء مشابه، لإعادة السوريين “طواعية” إلى حضن الأسد، بعد إحكام السيطرة على معظم المناطق. خُطط الضغط على اللاجئين والمهجرين كانت منذ البداية مترافقة مع حملة النظام العسكرية، وتختتم بشكل لا يختلف عن الآلية الأولى للتعاطي مع الشعب السوري المهجر.

استهداف مجتمع اللاجئين السوريين، من قبل الأطراف “المستضيفة” لهم، سواء في لبنان أو الأردن أو تركيا ومصر وغيرها من الدول، بدرجات متفاوتة في التضييق والترهيب، يعني رسم طريق إجباري “يجب” أن يسلكه السوريون، بعدما قدموا تضحيات كبرى مطالبين بتقديم صكوك الإذلال. مسعى حزب إيران في لبنان، تجاه المهجرين السوريين في مخيمات عرسال أو سلوك دول الإقليم نحو مأساتهم، كان منذ البداية يدل على أجنة عنصرية تشع اليوم تارةً في تصريحات وزير خارجية لبنان أو الرئيس عون، أو بالاستفراد المباشر لحزب إيران بقضية التنكيل باللاجئين، مرورًا بإغلاق الحدود بوجه النازحين من درعا باتجاه الأردن، وليس ختامًا بما يواجهه العالقون على حدود سورية من جهاتها الأربعة.

يصرّ البعض الآن، ومنهم من هو جزء من المجتمع الدولي، على أن المهجرين والنازحين السوريين، أصحابُ قضية إنسانية فقط، لا سياسية، في لحظات محاولة وأد الثورة، وضمن صيغة توافق دولي وإقليمي متغيرة مع شروط المساومة على قضية السوريين ككل، بالصمت عن وحشية النظام بالداخل السوري، التي تطلب مزيدًا من الإجراءات بحق المهجرين، كي يُعادوا إلى وطنهم وفق منطق المجرم المسيطر، العمل على هذا المستوى دخل في شرطه اللبناني حيز التنفيذ، من خلال خطوات حزب إيران هناك ضد السوريين، لتشكيل معادلة تسمح بتمريرها في بقية أماكن التهجير، والصمت الرسمي عنها مباركة ضمنية بإجبار النازحين على العودة القسرية تحت التهديد.

لا يغفل النظام الآخذ بالسيطرة، عن أن جزءًا مهمًا من معضلته يكمن مع نصف الشعب السوري المهجر والنازح، وهو شرط يجهض أحلام الأسد، ويتوهم بأن إخضاع بقية المجتمع السوري ستنجز بشكل سريع، بتواطؤ إقليمي ودولي لصالحه يوفر له على الدوام منجيات القصاص من الشعب السوري. التطويع والإخضاع تمّ لبعض المدن والمناطق، بفعل دمار وشروط دولية وإقليمية ملائمة، وهنا، لا بدّ من الاصطدام ببقية الشروط التي يعجز النظام عن توفيرها، أقلّ شرط فيها أنه في نفوس الملايين والمعذبين من السوريين، مجرم وقاتل، دمّر الديار والعباد.

لذلك، على أولئك الذين وضعوا رؤوسهم في الرمال كالنعامة، واعتقدوا أنهم يستطيعون أن يلعبوا مع النظام لعبة ذكاء ضيق الأفق، من تل أبيب إلى بيروت وعمان وواشنطن وموسكو، مهملين حقائق الصراع الفعلي مع النظام، أن يعرفوا أن الأمر أعقد من تصوير همرجة مصالحات أمنية ومخابراتية بين بعضها، لترسيخ موازين قوى المسيطر على الأرض متناسين أن ثورة السوري كانت أساسًا على المسيطر والمتسلط وستبقى، فما بالنا بمجرمين وقتلة ولصوص نالوا بجرائمهم من كل المجتمع السوري، وآثارها المدمرة لن تُمحى إلا بثمن إسقاط الأسد وبالظفر بالحرية والكرامة، سيخضع السوريون فقط لمواطنتهم وكرامتهم المنتظرة، تلك بلاسم جراح المجتمع السوري، ودونها ستبقى الجراح تُنكأ ولا شفاء للمجتمع السوري إلا بزوال الأسدية.

مقالات ذات صلة

إغلاق