قضايا المجتمع

تدهور الحياة.. الجانب الأكثر قتامة في سورية

تنطوي التغيرات الصادمة التي حوّلت حياة السوريين إلى عوالم متباينة منفصلة، ومجموعات متشظية، همّها الحصول بأي وسيلة على ما يبقيها على قيد الحياة إلى اليوم التالي، على مخاطر وتداعيات تنخر بنية المجتمع السوري، وتفكك روابطه، وتصدع لوحة الفسيفساء التي طالما تم التباهي بتماسك أجزائها.

تُنتج حروب الأنظمة الشمولية المستبدة ضد شعوبها -كما هي الحال دائمًا- كوارث إنسانية واقتصادية، يقتصر ضررها على الطبقات الضعيفة، والطبقات التي يتم تفقيرها ودفعها نحو مصاف الأخيرة، حيث لا تمتلك مجتمعة الملاءة التي تمكنها من مواجهة متطلبات المعيشة في ظل ضغوطات الحرب، والصمود أمام ظواهر التضخم وخلل السوق، وتحدي انخفاض قيمة الدخل وضعف القوة الشرائية.

في الجانب الأكثر قتامة، لم تكن سورية استثناءً؛ حيث أدت الحرب التي يشنها الأسد، إلى سياقات مشابهة. لكنها أضافت بعدًا آخر، أكثر خطورة، وهو الدمار الهائل الذي طال مراكز المدن، والحواضر المتاخمة لحدودها الإدارية، علاوة على الأرياف، ورَفَع أعداد المتضررين، بسبب النزوح واللجوء وفقدان أصول مادية، إلى نسب مرتفعة جدًا، قيّدت احتياجات 80 بالمئة من السكان، بفضاءات من العوز الشديد، والفوضى، والفساد، والابتزاز الحكومي الرسمي.

ومما زاد الطين بلة، أن الاقتصاد الذي كان يعتمد في الأساس على “نسبة كبیرة من الناتج والدخول، بجھود إنتاجیة محدودة، ومن نشاطات إنتاجیة تعتمد على الموارد الطبیعیة، وعلى بیع الخامات والمواد الأولیة”، وتدور عجلته تحت مظلة نظام شمولي زبائني على المستويين الاقتصادي والسياسي، لم يصمد طويلًا، إذ جفت موارده، ودُمّرت قاعدته الإنتاجية، ثم سرعان ما انهار سريعًا، نتيجة تكاليف الحرب الباهظة. ووجدت النخبة السلطوية المستفيدة، ومجموعات ممارسة العنف الرديفة، الفرصة متاحة للانقضاض على ما بقي من موارده الريعية، عبر صفقات زبائنية سياسية، ضاعفت حجم ثرواتها، ومنحتها القوة لكي تمارس على الأرض سلطة موازية، تأخذ من خلالها ولاءَ السكان، مقابل تلبية احتياجاتهم الأساسية، وهي احتياجات تضمنها “مواثيق حقوق الإنسان وقوانين الحرب”، من دون ضغط، كالماء والغذاء.

خلال العقود الأربعة الماضية، لم يتسم الاقتصاد السوري بهوية واضحة؛ فقد كان عبارة عن نماذج متناقضة، بدأت بالاقتصاد الاشتراكي “المخطط والمدار مركزيًا”، وانتهت باقتصاد السوق “الليبرالي”.

إن هذا الهجين غير العفوي، بمراحله المختلفة، قد استند إلى سياسات متخلفة انتقائية، لم تحقق معايير التنمية في النموذج الأول، وسياسات متوحشة لم تحقق المعايير الاجتماعية والكفاءة والشفافية والإنصاف في توزيع الثروة والدخول، في النموذج الثاني. ومع ذلك، فقد كانت الفئة الوحيدة التي احتكرت غنائم الاقتصاد، خلال الفترة المشار إليها، قيادات النظام وحلفائه: (سياسيين، رجال أعمال، تجار)، حيث تأسست إمبراطوريات مالية، تمتع أغلبها بمزايا استثمارية، منحت لها بشكل خاص، وأنشطة قذرة: (غسيل أموال، تبادل عملات، تهريب)، عبر شركات وهمية حققت عائدات ضخمة، بمعزل عن سلطة الضريبة.

ترى النخب المستفيدة أن الفضيلة الوحيدة التي اقتصر عليها إرث الأسد، أنه عزز زبائنية النظام، عندما صنع طبقة “غير تقليدية” من الأغنياء، لا تاريخ لها، وقفت إلى جانب إعادة إنتاج صورته، وحرصت على مواصلة مسيرته، ودعمته، بهدف حماية الدولة العميقة، وصون مكاسبها، واحتفاظها بالامتيازات التي سمحت لها أن تحتكر روافع الاقتصاد، وتتحكم في حركة التجارة الخارجية “استيراد وتصدير”، وتنهش اللحم السوري، باطمئنان قَلّ نظيره.

بالنسبة إلى أولئك الذين تدهورت نوعية حياتهم خلال الحرب، فقد عزز إرث الأسد بمجمله تفاوتَ امتلاك الثروة، وعمّق حجم الفجوة الفاصلة ما بين الدخل والإنفاق، ورفع عدد الأفراد ممن هم تحت خط الفقر إلى نحو 87 بالمئة، مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة أكثر من 1020 بالمئة. فضلًا عن أن تعرض فرص العمل للتدمير أضاف سنويًا 482 ألف شخص، إلى مجموع العاطلين عن العمل (أكثر من ثلاثة من كل أربعة سوريين في سن العمل “تسعة ملايين فرد” لا يشاركون في أي نشاط يولد قيمة اقتصادية). 2.9 مليون منهم عاطلون عن العمل، و 6.1 مليون غير نشطين، “مع وجود بطالة، بلغت نسبتها بين الشباب نحو 78 بالمئة في عام 2015″، بحسب تقارير دولية: المجموعة الإحصائیة للمكتب المركزي للإحصاء 2017.

إن اختبارات الحياة الراهنة في الداخل تقدم لنا مفارقة أكثر إقناعًا؛ فاليوم، یبلغ متوسط تكلفة المعیشة نحو 300 ألف لیرة سوریة شهريًا، ومع ذلك، فإن متوسط الراتب الشھري لموظف في القطاع الحكومي يبلغ نحو 40 ألف لیرة فقط؛ ما يدفع معظم الملتحقين بقطاعات الدولة إلى البحث بشكل اضطراري عن مصادر مالية أخرى، خارج دوامهم، تعيد بعض التوازن لمعيشتهم.

في ساحة الروضة، على بعد خطوات من القصر الرئاسي، الذي يغيب الأسد عنه فترات طويلة، وتدير أموره من وراء ستار قاعدة حميميم، بعد أن تغول الدب الروسي في الشأن الداخلي. يتمتم “موظف جامعي” خلف عربة متواضعة، يبيع العصائر الطازجة مساء: “ربما يكون من المحتم عليك أن تبحث عن عمل آخر، أو عَمَلين، كي تتمكن من تأمين الطعام لعائلتك. البلد اليوم مثل غابة واسعة لا حدود لها، لقد غيّرت الحرب قيم المجتمع، ولكي تعيش مجرد حياة بسيطة للغاية، عليك أن تستعمل أنيابك أكثر من لسانك في كل مكان ترتاده”.

مقالات ذات صلة

إغلاق