تحقيقات وتقارير سياسية

الميليشيات الكردية تعتقل نساء وأطفال مقاتلي “لواء ثوار الرقة” أيضًا

عادت أجواء التوتر لتسود في الرقة، من بعد أن ظهرت بعض ملامح الانفراج، متمثلة في عودة قائد (لواء ثوار الرقة) إلى منزله، حيث تم وضعه تحت الإقامة الجبرية، وإطلاق سراح عشرات المدنيين والمقاتلين المحليين من سجون الميليشيات الكردية، وخروج مقاتلي هذه الميليشيات إلى مواقعهم خارج المدينة، بعد أن فرضوا عليها حظر تجوال كلي لأكثر من أسبوع، قامت خلالها باعتقال المئات من مقاتلي (لواء ثوار الرقة) والمدنيين الذي تظاهروا ضد وجود هذه الميليشيات وسلوكها اليومي تجاه المدنيين، إضافة إلى إدارتها شبكات متعددة من المعفشين.

التوتر الحاصل الآن بدأ قبل عدة أيام؛ على إثر تجمهر عدد من زوجات وأمهات عناصر (لواء ثوار الرقة) مع أطفالهن، أمام أحد سجون الميليشيا الكردية في مدينة الرقة، بغرض زيارة المعتقلين فيه، ممن لم تشملهم الإفراجات السابقة. عناصر الميليشيا قاموا بردّات فعل خشنة عنيفة تجاه النساء المتجمهرات؛ أدت إلى تلاسن نتج عنه زيادة في العنف تجاههن، فضُربن وسُحلن، ثم اعتُقل ما يزيد على عشرين امرأة منهن، بعضهن يحملن بين أيديهن أطفالًا رُضَّعًا، حسب ما أفاد ناشطون محليون.

النساء المعتقلات، حتى ساعة إعداد هذا التقرير، حُبسن في “سجن الهنكار” ذاته الذي يُعتقل فيه ذويهن، وهو أحد أبنية مؤسسة الحبوب في مدينة الرقة، ويقع بالقرب من صوامع الحبوب في الجهة الشمالية من المدينة. وهو سجن مخصص للمنتمين إلى الثورة من مدنيين ومقاتلين. كما أنه واحد من سجون عديدة، تديرها هذه الميليشيات وتوظفها لأغراض مختلفة، بعض هذه السجون كان قد دشنه وأداره تنظيم (داعش)، إبّان سيطرته على المدينة بين عامي 2013 و2017.

موجة الغضب التي اجتاحت المدينة منذ الخميس انعكست في وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالرقيين في الداخل والخارج؛ حيث استحضر معظمها حادثة مشابهة جرت أثناء الانتداب الفرنسي على سورية، في عام 1941 تحديدًا، حين قام في الرقة عصيان قاده أحد الوجهاء المحليين؛ ما دفع السلطات العسكرية الفرنسية إلى اعتقال عدد من النساء، للضغط على قاد العصيان لتسليم نفسه وانهاء عصيانه. اعتقال تلك النسوة أدى، بعكس ما توقعته السلطات الانتدابية، إلى توسع الانتفاضة، وتحرك شيخ عشيرة “الولدة” آنذاك، محمد فرج السلامة، لاقتحام السجن بالقوة وتحرير المعتقلات. كما أطلقت “تنسيقية شباب الرقة الحرة” دعوة إلى التظاهر، بغية إطلاق سراح المعتقلات وأطفالهن.

ملاحظة سلوك الميليشيات الكردية، في مناطق سيطرتها التي توسعت خلال السنوات الثلاث السابقة بدعم عسكري واستخباري هائل، وغطاء سياسي من قبل التحالف الدولي، تكشف أن هذه الميليشيات تحظى بحرية تصرف دون قيود أو حدود تجاه المجتمعات العربية المحلية. فمنذ شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2014، مع بدء حملة التحالف الدولي العسكرية ضد تنظيم (داعش) في سورية، قامت هذه الميليشيات بكل ما يمكن تصوره من جرائم مدانة ومُجرمة بقوانين الحرب، من حرق القرى والبيوت إلى المجازر الجماعية والتهجير، وصولًا إلى التعفيش والاعتقال والتعذيب لسكان القرى والبلدات والمدن العربية التي دخلتها تحت غطاء التحالف. وعلى الرغم من صدور عدد من التقارير التي وثقت هذه الانتهاكات، سواء في الحسكة أم في تل أبيض أم في الطبقة أو الرقة، فإن سلوك هذه الميليشيات لم يتغير، كما أن علاقاتها مع قوى التحالف لم تتأثر بهذه التقارير؛ الأمر الذي يوحي أن دول التحالف لا تمانع حدوث هذه الجرائم بحق السكان العرب في هذه المناطق.

ومن المؤكد أن استمرار هذه السياسات وهذه الممارسات، واستمرار تغطيتها ورعايتها من قبل قوات التحالف، سيزيد من الاحتقان القائم أصلًا بسبب الجرائم السابقة، ويجعل المجتمعات العربية المحلية بعيدة من الانخراط في أي عمل سياسي ذي جدوى، فيما تعزز سياسات محاباة الأكراد من فرص بناء نظام سياسي هش، وتاليًا فرص عودة العنف. وفي المقابل تعزز هذه السياسات، وما ينتج عنها من مشاعر الغبن والتهميش، من احتمالات قبول قطاعات واسعة من السكان عودة النظام؛ ما داموا يتعرضون للعسف ذاته، فيكون آخر سؤال يمكن أن يجعلهم يفاضلوا بين الطرفين: “عسف وتعفيش وظلم بقاء سورية موحدة، أم كل هذا وفوقه تمييز عنصري وتجزئة للبلاد”؟

مقالات ذات صلة

إغلاق