هموم ثقافية

مقدمة في معضلة الثقافة

هل الثقافة رتبة يصل إليها الإنسان ويعيش عليها مدى حياته؟

كان هذا ممكنًا قبل الثمانينات من القرن المنصرم، ولكن ليس طوال حياته.. فهل كانت التحولات والمعارف الثقافية، تحتاج إلى عقدين على الأقل من الزمن، لتقوم بقفزة ما واضحة المعالم؟ الثقافة الآن تحتاج إلى تحديث يومي؛ فكثير من المثقفين والمبدعين، قبل عشر سنوات، أصبحوا خارج الفعل الثقافي! لأن الثقافة وسرعة الاكتشافات والاختراعات تسير بسرعة الضوء، متوالية هندسية تتوسع وتنتشر، وتشكل أطيافًا جديدة ومستجدة، وتشكل ما يسمى الصدمات الثقافية، وهذه الصدمات لم تكن في السابق يومية، حيث تجعل أجيالًا مثقفة في الثلاثينيات والأربعينيات من عمرها، خارج الفعل الثقافي.

ما بعد ثورة الاتصالات وفيضانات المعلومات الكونية، جعلتنا في حيرة ولهاث وجهد مضاعف يومي، كي لا نفقد اتصال المعرفة والثقافة والإبداع ببعضهم.

الثقافة والمعرفة والعلم تتصارع جميعها، وتتصالح وتتحد وتتناقض، ضمن قوانين الجدلية المعرفية، وحدة وصراع الأضداد. أصبح من المستحيل تصور الثقافة خارج العلم، ومن المستحيل –أيضًا- تصورهما خارج المعرفة.

اختلف كثير من علماء الثقافة وتاريخها، على تحديد المساحة الممكنة من المعرفة التي يمكن تسميتها ثقافة، لكنهم لم يختلفوا على ما حددوه في هذا الإطار، واعتبروا الثقافة، سلوكًا ودراية وإلمامًا بالبنى الفوقية لنتاج العقل الاجتماعي. تداخلت التعريفات واشتبكت المعاني في فصل الالتباسات ما بين الثقافة والحضارة، وعندما فجّر صامويل هنتنجتون في كتابه (صراع الحضارات)، رد عليه مئات من المنشغلين بالفكر الحضاري والثقافي، واعتبروا أن خلطًا ما حدث لديه، في مفهوم الحضارة وتعريفها، وأن العالم لديه صراع ثقافات وليس صراع حضارات، حيث يعيش العالم الآن حضارة واحدة كونية، بثقافات متعددة، على اعتبار أن الحضارة هي منجز مادي، يستعمله الكون، ضمن إمكانات الحصول عليه، وما العولمة إلا هذا الاشتراك الكوني في استخدام المنجزات الحضارية، وما النفور منها إلا رفض توحيد الكون بثقافة واحدة.

أصبح شيئًا مألوفًا أن تدرِّس الجامعات وأكاديميات العلوم الإنسانية في العالم، مادة الثقافة، كتاريخ وبحوث ونظريات ودراسات معمقة عن المجتمعات، من الناحية التطبيقية، وعن البنى الفوقية لها من الناحية النظرية.

أكثر ما يواجه الدراسات والنظريات حول الثقافة، ارتباك مفهوم المعيارية، المعيار القياسي للثقافة، وقد تداخلت علوم كثير في رصد المعيار الثقافي أو شرحه، فكان للفلسفة نصيب الأسد، لكنها بقيت قاصرة في تحديد معايير قياسية موحدة، على اعتبار أن الثقافة هي سلوك مكتسب ومتوارث، ومنجز عبر أجيال ومجتمعات، وعبر الثورات المعرفية والعلمية التي تتفاوت من مجتمعٍ إلى آخر، وأن الثقافة بنى ذهنية متحركة متبدلة، ترتبط بتقدم المجتمع المادي، كبنى تحتية متبدلة، تتسارع وتتباطأ، من مجتمع إلى آخر.

إن سيادة العلم وسطوته على الفلسفة الكلاسيكية، واتساع أدوات المعرفة، كسرت الحواجز بين الأمم من الناحية الثقافية والمعرفية. ولعبت ثورة الاتصالات ونشوء الشبكة العنكبوتية “النت” دورًا في توطين ثقافات أمم داخل أمم أخرى، ونشأ التبادل الثقافي غير الرسمي البروتوكولي، وتداخلت السلوكات الثقافية المجتمعية، وأصبحت الثقافة الخاصة “Local culture”، ضربًا من المستحيل، على الرغم من ارتفاع أجراس الإنذارات، وخلق مؤسسات محلية لحماية الثقافة الوطنية أو المحلية أو القومية، عبر صياغات نظرية، واستخدام المقدس والوطني والأيديولوجيين، لكن اختلاط الثقافات وتداخلها، لم يثنها شيء، كعاصفة شديدة على رمال متحركة.

اختلاط الثقافات خلق خلخلة ببنى فوقية مجتمعية، وطرأت أسئلة جديدة، على مفاهيم التراث واللغة ومجمل النظريات المعرفية.

لقد كانت هذه التأثيرات عبر التاريخ، ضمن سياق حضاري متوازٍ، كالحضارة الفارسية، وتوازيها مع الحضارة الرومانية، وأيضًا الحضارة اليونانية وتوازيها مع الحضارتين الرومانية والفارسية، ثم نشوء الحضارة العربية الإسلامية. لكنها كانت نخبوية بطيئة غير شمولية، وذلك لتخلف الاتصال بنوعيه: المادي/ المواصلات، والذهني/ الترجمة، وغياب شكل الاتصالات الحديث.

إن مفهوم الثقافة ونحتها اللغوي جاء من Culture- Agriculture، وهو النماء؛ صيرورة النماء للبذرة بعد زراعتها، أما النحت Agra اللغوي في اللغة العربية فجاء من – ثقف الرمح، أي جعله أشد فتكًا واختراقًا.

مخيف هذا النحت الذي يأخذك إلى مرحلة الصيد، وهي مرحلة ما قبل الزراعة التي نقلت الإنسان، من البدائية إلى هيكلة حديثة للمجتمع، فطرأ سؤال أكثر إشكالًا: هل ستبقى الثقافة تثقيفًا للرمح؟ أم شكلًا حديثًا من أشكال النماء؟ أم تعريفًا جديدًا يواكب العلم والمعرفة المتفجرة والمنتشرة بسرعة الضوء، فتصبح الثقافة، فلسفة الحياة الجديدة على شكل معرفة/ knowledge، وتحلّ المعرفة مكان الثقافة، والمعرفي مكان المثقف، فتتحرر الثقافة من الأدب وتصبح معرفة شمولية يحكمها انصهار العالم، ليس ببعضه البعض، وإنما بعضه بكله وكله ببعضه، إلى مرحلة كله بكله، على أسس تطور العلم وضروراته وتجدده، واستخداماته اليومية نحو الرفاه البشري.

مقالات ذات صلة

إغلاق