مقالات الرأي

استسلام الجبهة الجنوبية والحسابات الدولية

يكتسب دخول قوات النظام السوري إلى درعا البلد مؤشرًا رمزيًا ومعنويًا مهمًا، فلن ينسى السوريون أن أول معتقلي سنواتهم السبع العجاف كانوا أطفال درعا، وأن أولى مظاهرات الثورة التي نادت بإسقاط النظام، انطلقت من الجامع العمري في وسط درعا، وأن أغلب فصائل الجنوب قاومت لفترة طويلة طوفان الأسلمة والتطرف الذي مثلته “جبهة النصرة” ومن ثم “داعش”.

لكن الإشكالية ليست في درعا أو سواها، وليست في هذا الفصيل دون ذاك، نحن أمام ظاهرة العسكرة التي ولدت ضمن عباءة الأسلمة والتطرف الجهادي، وتكاثرت حتى ابتلعت حراك الثورة السلمي، مما دفع بالكثير من السوريين للتشكيك بها، دون أن ينجحوا في مقاومتها، لأنها امتلكت السلاح أولًا، والدعم المالي والسياسي من أطراف إقليمية ودولية ثانيًا، ولأن بطش النظام وسلوك حماة الديار أجبر بعضهم على تلك الاصطفافات التي كان ينقصها منذ البداية معيار الوطنية، فبقيت فصائل مشرذمة ومتحاربة، ارتهن سلوكها لإرادة مموليها، ولم تفلح عدة محاولات في توحيد صفوفها كجيش وطني أو جبهة تحرير لسورية، أو كتعبير عن الجبهات التي كانت تظهر إعلاميًا كالجبهة الجنوبية مثلًا، حتى في ساعات التفاوض من أجل توقيع صك استسلامها المذل، لم تنجح في التفاوض باسم السوريين، ولم يكن مسموحا لها أن تفكر بذلك.

بدايةً تكفل التمويل الخليجي لأغلب الفصائل والشرعيين في تعدد وانتشار ظاهرة الفصائل والكتائب والجيوش التي ترفع أعلامًا خاصة بها، وتحتكر حيزًا جغرافيًا لها باسم مناطق محررة، تحتكر فيها حياة الناس المدنيين وتتحكم بحركتهم وتموينهم وطريقة لباسهم وأوقات خروجهم ومبيتهم، مع التأكيد على ارتباط هذا التمويل بالضرورة بالتطرف الإسلامي، والذي سهل على النظام استدعاء نقيضه من الميليشيات الطائفية المرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة.

ومع دخول روسيا في أيلول/ سبتمبر 2015، على خط الصراع في سورية، تمكنت عبر ترسانة هائلة من الطيران والصواريخ من قلب موازين القوى، انطلاقًا من سيطرة الطيران على سماء المعارك، ووحشية القصف والتدمير الذي طال البنى التحتية والتجمعات المدنية، وكانت البداية مع معركة حلب التي شكلت هزيمة نهائية لخيارات العسكرة والفصائلية الجهادية، دون أن يتم القضاء عليهما، فاستمرار العسكرة وإبراز هذه الكيانات بدا مهمًا وفق السيناريوهات الدولية والإقليمية، فتركيا احتاجت هذه الفصائل لتشكيل “درع الفرات” أولًا، ومن ثم “الجيش الوطني السوري” بالتعاون مع بقايا ائتلاف ملحق بسياساتها، بينما النظام ومعه الروس كانوا يحتاجون وجود هذه الفصائل لاستمرار حربهم ضد السوريين وتدمير سورية، وكمبرر للإجهاز على فكرة الحل السياسي، وإجهاض ما تبقى من الثورة السورية، وهو ما اتضح جليًا بتحييد مسار جنيف للحل السياسي، لصالح مسار أستانا الذي حوّل أغلب البنى السياسية للمعارضة إلى مجرد مستشارين لدى الفصائل، ولم يكن الهدف من وراء ذلك مجرد تغيير المكان فقط، بل هو تغيير اللاعبين، واستبدال المستوى السياسي ممثلًا بالهيئة العليا للتفاوض على علاتها، بالمستوى العسكري ممثلا بتلك الفصائل، التي أبدت الكثير من الهشاشة وانعدام الخبرات التفاوضية والسياسية، وأخيرًا تمّ اختزال الحل السياسي وفق هذا المسار إلى تأليف لجنة لتعديل أو إعادة صياغة الدستور فقط، كمقدمة لانتخابات جديدة سيفوز بها الأسد بالتأكيد!

ارتهان هذه القوى للخارج وللموالين تحديدًا، جعلهم بيادق يتم تحريكها على خارطة الدم السوري، والإنجاز الوحيد الذي سجل لممثلي هذه الفصائل، تجلى بكثافة ظهورهم الإعلامي على بعض الفضائيات، حيث تحولوا بقدرة قادر إلى محللين سياسيين وخبراء استراتيجيين ونجوم إعلام.

فشلت معارضتنا السياسية والعسكرية بخلق مؤسسات وطنية للثورة، وبالأحرى لم يكونوا بوارد البحث عن مشروع وطني لخدمة السوريين، لكن استيلاء الفصائل على الثورة شكّل كارثة مضاعفة لكل الأسباب التي أسلفنا، ولقناعتنا بأن العسكر أجرأ على تقديم التنازلات باستمرار، وهذا ما رأيناه في دوما وريف دمشق عموما، وهو ما شهدناه سابقًا في أرياف حمص وحلب وحماة، وكانت الخاتمة في درعا مهد الثورة!

كي لا نستسلم لجلد الذات، دعونا نعترف أنه منذ سيطرة العسكرة والأسلمة المتطرفة على هياكل وبنى الثورة، غدا محكوم عليها بهذا المآل الذي حصدناه الآن، وبات الصراع على سورية وفي سورية صراعًا إقليميًا ودوليًا، بمشاركة بعض الأدوات المحلية أحيانًا وبدونها مؤخرًا، فالمجتمع الدولي لم يكن معنيًا بأكثر من لجنة دستورية مازال دي مستورا يلهث لتشكيلها، وليس من أحد سيقاتل عنا الآن أو في المستقبل، وليس أدل على ذلك من رسالة ترامب الاعتذارية للفصائل، عقب تحذيرات أميركية شديدة اللهجة من خرق النظام لمنطقة خفض التصعيد في الجنوب، رسالة تضمنت شيئًا من اللباقة المهينة، فالمصالح الدولية الآن أكبر من مصالح السوريين، وأكبر من حقوق الإنسان والجماعات البشرية، وبالنسبة للغرب يمكن إعادة تأهل الأسد الصغير رغم كل جرائمه، على التعامل مع بدائل يمكن في أي لحظة أن تبايع النصرة أو داعش، وفق مخططي “الحرب على الإرهاب”.

بغض النظر عما يمكن أن يتسرب لاحقًا بخصوص ملفات التوافق الروسي – الأميركي التي أنجزت بالأمس في هلسنكي بين الرئيسين ترامب وبوتين، إلا أن أغلب التحليلات تسير باتجاه خفض التوقعات فيما يخص الملف السوري، فهو بالتأكيد كان ملفًا حاضرًا بقوة ضمن بازار المساومات في هلسنكي، ليس حبًا بالسوريين، بل لأهمية هذا الملف في التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة.

ربما تكون إدارة ترامب الأقل اهتمامًا بهذا الملف، فهي لم تخفِ إلحاحها للخروج من سورية، وسيسجل التاريخ خطأ هذه الاستراتيجية السياسية، بعد أن عملت الإدارات الأميركية المتعاقبة من أوباما إلى ترامب بجهد، وبحسن نية أم بسوئها، غير مهم الآن، لتمكين روسيا والرئيس بوتين تحديدًا، من الاستحواذ مسبقًا على كامل أوراق التفاوض، فروسيا تبدو في موقع القوة بعد أن حققت أقصى طموحاتها، حيث تمّ تجاوز موضوع القرم وأكرانيا ككل بقوة الأمر الواقع، وامتلكت كامل أوراق المساومة في الشأن السوري، وغدت محجة الإسرائيليين والأتراك والإيرانيين، وصولًا إلى لقاء هلسنكي بطلب من ترامب ذاته.

تُدرك روسيا أهمية الأوراق السابقة التي امتلكتها وبشكل خاص في سورية، وتُدرك أيضا أن لدى الآخرين جميعهم إشكالات في الملف السوري، تمنعها من تقديم أي تعهد لطرف دون آخر، طالما أن الجميع يحتاجها، فتركيا التي ترفع شماعة تنظيم PYD الكردي، ما زالت تخشي أي مساس بمكتسباتها في ادلب وريف حلب وصولًا إلى عفرين، بينما نظام الملالي الذي يعاني من أزمة اقتصادية ما زالت مؤشراتها تتفاقم، وبشكل خاص بعد إلغاء ترامب الاتفاق النووي مع طهران، ولم يعد مطلوب منه الابتعاد عن حدود إسرائيل مسافة 30 كم بل 80 كم، أي أبعد من حدود العاصمة دمشق، وربما يكون إخراجه من سورية بشكل نهائي أفضل لإسرائيل.

لا يُبدي الكرملين أي استعداد لخوض معركة طرد الميليشيات الشيعية التابعة لإيران من سورية، لكنه لا يمانع استمرار الضربات الإسرائيلية لتلك الميليشيات ومواقع تمركزها، وستكتشف الإدارة الأميركية لاحقًا أنها لم تعد تمتلك ما يمكن أن تقايض به بوتين، وأنها خسرت كثيرًا حين تخلت عن سورية.

لكن المستقبل سيبقى رهن العامل الغائب أو المغيب في هذه اللوحة، رهن السوريين “لا النظام ولا المعارضات المرتهنة للآخرين”، فهم ملح الأرض الباقي في سورية.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق