أدب وفنون

من مذكرات مؤسسة زمن التطوير والتحديث

تم تشكيل لجنة بحث واستقصاء، لأجل الإشراف على سلامة مسيرة “ثورة التطوير والتحديث” في مؤسسات القطاع العام للوزارات، وتم تكليف اللجنة برفع تقارير سرّيّة مفصّلة من المحافظات إلى الجهات العليا التي تتابع العملية من بابها إلى محرابها.

اللجنة في الحقيقة –وكي لا تحيد عن الطريق القويم- كانت بإشراف ورئاسة أحد القياديين الموثوقين، وأعضاؤها من خيرة علماء الاقتصاد والباحثين المختصين والكوادر المدرّبة التي أثبتت كفاءاتها من الناحية العملية، وطول باعها وقوة ذراعها من الناحية النظرية.

وهكذا جاء يوم وحطّت اللجنة في ديارنا بشكل مفاجئ، فدرست، وقدّمت، وأخرت، وسألت واستفسرت، وقابلت، ودخلت، وخرجت، وحاضرت، وجمعت، وطرحت… وأخيرًا كتبت تقريرها المفصّل:

المؤسسة على خير ما يرام، فالدوام هو الدوام، والعمل هو العمل، والموظفون هم الموظفون، والتوجه العام يمشي “قدمًا إلى الأمام”، فكل الأقسام والفروع والدوائر تقوم بواجباتها “المنوطة” بها خير قيام، رغم أن السيّد المدير نصف كلب.

وجاء في هامش التقرير توضيح لعبارة “نصف كلب” التي يمكن أن تحمل الكثير من الجدل، وإمكان عدم الوصول إلى المضمون المراد:

المقصود بعبارة “نصف كلب” أنّ السيد المدير في النهار، وتحت أشعة الشمس، كذلك في الاجتماعات والندوات والخطب الوطنية التي يلقيها في المناسبات… هو في الحقيقة مدير ناجح ومحترم وأصيل وملتزم… لكنه في الليل أو في العتم أو في الظلّ أو في الخلوات، هو “كلب على الخالص”.

ورُفع التقرير بعجوره وبجوره ومتنه ونصه وهوامشه ومراجعه والتواقيع عليه، ممهورًا بالنيّات الحسنة والإرادات الطيبة في إكمال مشروع التطوير والتحديث إلى آخر مداه، وصولًا بمؤسساتنا الوطنية إلى جنان مؤسسات هذا الزمان.

بعد ثلاث سنوات، تم تشكيل لجنة ثانية لأجل إكمال عمل اللجنة الأولى، أو بالأحرى تم تشكيل لجنة أكثر حداثة، لمتابعة مشروع التطوير والتحديث، وجاءت اللجنة بدورها، كما أختها السابقة، فدخلت ثمّ خرجت ثمّ سألت ثم استفسرت ثمّ استقصت ثم نزلت إلى المستودعات، ثم فاتت في الأراشيف، ثم غارت في الأضابير، ثم كشفت الستر المستور عن الكثير من خبايا الأمور، وأخيرًا كتبت تقريرها السّرّي، ورفعته إلى الجهات العليا للإطّلاع والدراسة وأخذ القرارات المناسبة:

نفيدكم علمًا أنّ المؤسسة في خير، والعاملون مثل خلايا النحل، وأحيانًا مثل أسراب النمل، كل واحد يعرف ما له وما عليه، وواجباته ومسؤولياته، ويقوم بها أحسن قيام. لكن في الحقيقة وللأمانة الوطنية، هناك ملحوظة واحدة لا بد من لفت الانتباه إليها، وهي أن السيّد المدير كلب على الخالص!

وشرحت اللجنة في ذيل التقرير المعنى المقصود من عبارة “كلب على الخالص”، حيث أوضحت أن السيد المدير تجتمع فيه كل صفات الكلاب عدا الوفاء، بما فيها أسوأ ثلاث خصال على الإطلاق: الكَلَب، والسرقة، والغدر (فهو ينقل داء الكَلَب، ويعضّ في الظهر، ويفاجئك حيث تتوقع منه الأمان)، ورفعت اللجنة تقريرها إلى الجهات العليا للدراسة وإبداء الرأي واتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل إكمال مشروع التطوير والتحديث.. مرفقة كل ذلك بتواقيع الأعضاء بصمًا باليسرى، وتوقيعًا باليمين…

بعد ثلاث سنوات أُخَر، عبرت كما تعبر غمامة صيف، تم تشكيل لجنة ثالثة، لمتابعة عمل اللجنة الثانية، وإكمال عملية الإصلاح والتحديث، وبدورها جاءت ودخلت وخرجت وتغوّرت، واستكشفت، وقرأت، وفهمت، واطّلعت، وعرفت كل شيء من طقطق حتى السلام عليكم.. وبدورها هي الأخرى اجتمعت وكتبت تقريرها السّرّي الذي جاء فيه:

في الحقيقة ثمة واقعان قائمان في المؤسسة: واقع من فوق، وواقع من تحت. أما الذي من فوق فهو أنّ المؤسسة على خير ما يرام، ببنائها، وغرفها، وأثاثها، وموجوداتها، ومخصصاتها، وميزانياتها، وفي كل ما يخصها ويخصّ نجاحها. وأما الذي من تحت، فهو أنّ السيّد المدير والسادة رؤساء الأقسام، والمديرين المساعدين والإخوة المتفرّغين، والمراقبين المكلّفين، والقسم الأعظم من الموظفين والعاملين والمتعاقدين، جميعهم كلاب في كلاب!

وأرسلت اللجنة تقريرها بدورها إلى الجهات العليا من أجل المتابعة وإجراء اللازم…

وبعد ثلاث سنوات أخرى، من عمر ثورة الإصلاح والتحديث، والعلمنة، والدّمقرطة، والمحاسبة، وتقفيع أيادي الفاسدين، وتقويم المعوجّين، والسير على الصراط المستقيم، تم تشكيل لجنة رابعة في المرحلة الرابعة والأخيرة، وكانت هذه المرة، كما في كل مرة، من خيرة الدارسين والباحثين والخبراء والمتخصصين والاستراتيجيين… وجاءت بدورها، ففحصت ونقّبت وكشفت وشمشمت ولولحت، وأخذت ما فيه النصيب على مرأى عيون الجميع، ومدّت أبوازها في معالف الجميع، ثم أخيرًا كتبت تقريرها هذه المرة بمنتهى الاختصار المفيد:

المؤسسة، والحمد لله تعالى، بقضها وقضيضها، وعجورها وبجّورها، ورئيسها ورؤساء أقسامها، وما فيها وما معها وما عليها، على خير ما يرام وفي أحسن حال. فقط نورد لكم أسماء قلّة من بقايا المتآمرين، الذين نقترح فصلهم من العمل، حفاظًا على المستوى الذي بلغته المؤسسة، وحرصًا على تنظيفها تمامًا من العملاء والمخرّبين والموتورين والمأجورين، وأمانًا على المصلحة العامة من المندسين والمتعاملين.

والخلود لنا ولكم من بعد ربّ العالمين.

* اللوحة للفنان السوري بهرم حاجو

مقالات ذات صلة

إغلاق