قضايا المجتمع

المونديال والوفاة بـ “السكتة القلبية”

فيما كان العالم يستمتع بمشاهدة مونديال 2018 الذي افتُتح يوم الرابع عشر من حزيران/ يونيو الماضي في موسكو، كانت حصيلة الموت والتهجير والتدمير بنيران القوات الروسية السورية، في الجنوب السوري الخاضع لاتفاقية خفض التصعيد، قد بلغت 71 قتيلًا و270 ألف شريد، إضافة إلى 14 اعتداء على منشآت حيوية، بينها خمسة مراكز للدفاع الوطني، وما لا يقل عن هجمتَين بالأسلحة الحارقة على مناطق مأهولة بالسكان، بحسب إحصاءات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.

وأمام الحدود المغلقة، بلغ عدد الأطفال المشردين من بلدات وقرى محافظة درعا، خلال ثلاثة أسابيع فقط، 180 ألف طفل، وفقًا لبيان (يونيسف)، أي أكثر من نصف العدد الإجمالي للنازحين، فيما بات نحو 270 صحفيًا وناشطًا وموفر خدمات إعلامية عرضة للخطر والاستهداف، مع انتشار قوات النظام السوري ودخول الميليشيات الرديفة لها إلى المنطقة، بحسب بيان “رابطة الصحفيين السوريين”، وجميع هؤلاء ليسوا سوى عينة مصغرة عمن يجري التنكيل بهم، باسم “القضاء على الإرهاب والإرهابيين”، حين يتحدث القادة الروس عن الحلّ السلمي في سورية، وهم يتبادلون الزيارات الدبلوماسية، ويعقدون الصفقات مع نظرائهم في “إسرائيل” وإيران والولايات المتحدة الأميركية.

قبل أن ينتهي كأس العالم، كان علم النظام يُرفع على المسجد العمري في مهد الثورة، ويجري العبث بقبر حمزة الخطيب، بعد سلسلة من المفاوضات والمصالحات جرت تحت وابل النار والوعيد، ونصت على تسليم سلاح الفصائل المعارضة، وعودة النازحين إلى ديارهم وتسوية أوضاعهم بضمانات روسية، ثم تكررت الأحداث الأليمة التي شهدناها سابقًا، بعد كل التسويات، من تعفيش لمنازل الأهالي وسرقة ممتلكاتهم على مرأى من أجهزة الشرطة، ومن الاعتقالات التعسفية والإعدامات الميدانية وإذلال المدنيين، فما هذه الضمانات الواهية، وكيف لها أن تسفر عن حل، وكيف يمكن للسوريين أن يأمنوا جانب الدكتاتورية التي تحكمهم، وحليفتها الروسية التي فازت بشرف استضافة المونديال لبسط السلام والفرح بين الشعوب؟

يستطيع العنف المفرط والمنهجي، بالتوازي مع صمت المجتمع الدولي، أن يخمد صوت المعارضة مؤقتًا في أي بقعة من العالم، لكنه لن يقضي على معارضي الاستبداد والفساد، وتخطئ القيادة الروسية حين تظن أنها بقوة السلاح قادرة على أن تفرض حلًا سياسيًا لا يضمن العدالة الانتقالية لجميع السوريين، فلن يكون للجان الدستورية، ولا لمشاريع إعادة اللاجئين قسرًا وإعادة إعمار سورية أي معنى، وهي تطفو على جثث الضحايا وأنين المعتقلين. هذا من شأنه فقط أن يؤجج المزيد من التوتر والأحقاد والتطرف، ويزيد من حجم التدخلات الخارجية التي قد تؤدي في لحظةٍ ما إلى انفجار خطير يودي بالجميع.

جميع قوى الثورة والمعارضة كانت، وما تزال، تتطلع إلى الحل السياسي تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة، ووفق مقررات جنيف. الخلاف أسس له مسار سوتشي، ومن قبله عدم استعداد النظام السوري للجلوس إلى طاولة المفاوضات بنية صادقة وإحساس بالمسؤولية، من أجل التباحث حول ملفات ساخنة وعالقة منذ عقود، أدت إلى انتفاضة الشعب السوري واستمرار ثورته سبع سنوات، ملفات لا يمكن الالتفاف عليها أو القفز عنها، لأنها تتعلق بالعدالة وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة، وتبدأ من ضمان حرية التعبير والإفراج عن المعتقلين وإنصاف الضحايا، كخطوة أولى لتحقيق السلم الأهلي، وهو ما لا يمكن الوصول إليه مع بقاء الدولة الأمنية.

يغيب في سجون النظام السوري نحو ربع مليون معتقل، بينهم ستة عشر ألف معتقل فلسطيني، راح الآلاف منهم ضحية التعذيب حتى الموت، وعلى الرغم من كل الضغوط الدولية لم يفرج النظام عن أي منهم، بل زاد عليهم باعتقال نحو 3300 آخرين، منذ بداية العام 2018، بينهم 677 في حزيران الماضي، ولم يسلم من الاعتقال والتعذيب حتى أولئك الذين قاموا بتسوية أوضاعهم الأمنية ضمن إطار ما يُعرف بـ “المصالحات الوطنية” إما أثناء عملية التسوية أو بعدها بوقت قصير، على الرغم من الوعود بضمان عدم المساس بأمنهم.

وفي الآونة الأخيرة، تفتقت ذهنية النظام السوري عن بدعة خطيرة للالتفاف على ملف المعتقلين الذين قضوا في سجونه، بتسجيل وفاتهم في دوائر النفوس على أنهم قضوا بالسكتة القلبية، أو الاكتفاء بإرسال بطاقاتهم الشخصية إلى مختار المنطقة، أو بإرسال تبليغ عبر الهاتف إلى ذويهم، من دون تفسير أسباب الوفاة، أو الكشف عن مكان الجثامين.

قد يصمت السوري اتقاء للشر، لكنه لن يعيش بهدوء وأمان وهو محاط بهذا الكم الهائل من المظالم والانتهاكات، وأغلب السوريين في بلدهم وفي بلدان اللجوء يعانون كوابيس الملاحقة والاعتقال، وتهلع قلوبهم من مجرد طرق الباب عليهم، وهو ما زاد من عدد المنظمات المدنية التي تعمل للدفاع عن قضايا المعتقلين، وكان آخرها “رابطة عائلات قيصر”، ولن ينفع أي حل؛ ما لم يبدأ بإطلاق الحريات العامة، وفتح السجون السورية أمام لجان التحقيق الدولية، وإلا؛ فسيبقى الحل السياسي حبيس قاعات التفاوض، وسيُسجل بعد حين في عداد المتوفين بـ “السكتة القلبية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق