تحقيقات وتقارير سياسية

الصفقة.. و”إسرائيل” المستفيد الأكبر

قبل بضعة أيام، في لقاءٍ مع فضائية (الحرة) في برنامج “ساعة حرة”، كان هناك ضيف إسرائيلي إلى جانب روسي وأميركي، وعقاب يحيى عن المعارضة السورية، حول الوضع في الجنوب ومستقبل النظام.

كان الإسرائيلي يتحدث بلغة رسمية مليئة بالثقة والعنجهية، وأعلن صراحة عن عقد صفقة مع الروس ترتكز إلى:

1 – وجود اتفاق إسرائيلي – أميركي – روسي، يقضي بدخول قوات النظام السوري إلى الجنوب الغربي من سورية، مقابل تعهدات مُلزمة أساسها عدم القيام بأي نشاط أمني ضد “إسرائيل”، وإخراج الوجود الإيراني من سورية، على الأقل من الحدود المجاورة لفلسطين المحتلة.

2 – الثقة الكاملة بمصداقية النظام، في الالتزام بتعهداته في حماية الحدود، وعدم تعريض أمن “إسرائيل” لأي مخاطر… وقد تحدث طويلًا عن تاريخ العلاقة وانضباط النظام.

3 – جميع الدول، ومن ضمنها أميركا والسعودية وغيرهما، تؤيد بقاء النظام السوري، و”إسرائيل” في المقدمة.

4 – الجولان جزء من “إسرائيل”، وقد أعلن ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي في جميع لقاءاته مع الروس والأميركيين وغيرهما، ولن يعود إلى سورية مطلقًا.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل مصير الجولان ضمن هذه الصفقة؟ أي هل تخلى النظام عن المطالبة باستعادة الجولان، باعتباره أرضًا سورية لا يمكن التنازل عنها، وهناك جميع القرارات الدولية التي تؤكد سورية الجولان، وأولها القرار 242؟

هذا الوضع يجعلنا نتوقف عند قصة احتلال الجولان.

كثيرة هي الشكوك التي حامت حول دور حافظ الأسد، في حرب حزيران/ يونيو، وهو وزير للدفاع وقائد للطيران والسلاح الجوي، في تسليم الجولان، والشاهد الدائم بيان احتلال القنيطرة قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها (البيان 66)، وقصة الخرق في القطاع الشمالي، وقرار الانسحاب الكيفي، وإبطال قرار الهجوم المعاكس، ليلة التاسع/ العاشر من حزيران/ يونيو 1967.

هناك من عدّ ما جرى خيانة صريحة: مقايضة استلام وتسليم، قبض الأسد ثمنها في وصوله إلى الحكم، وقام باعتقال رفاقه (القيادة الوطنية) ما يقرب ربع قرن، وتصفية عدد منهم في السجون، والمقايضة بمختلف القضايا القومية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية (الدخول إلى لبنان لضرب تحالف الثورة الفلسطينية مع الحركة الوطنية اللبنانية، واغتيال الزعيم الوطني كمال جنبلاط، والقائد العسكري الفلسطيني سعد صايل، وكثير)، والمفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، وصولًا إلى ما يُعرف بـ “وديعة رابين”، فضلًا عن الاتصالات السرية التي لم تنقطع، على مدار حكم الطاغية الأكبر.

سأضع جانبًا قصة الخيانة والتسليم؛ لأنني وفق ما حاولت معرفته ممن عاشوا تلك المرحلة في مواقع قيادية، وعبر حضور بعض المؤتمرات القطرية، لم أجد وثائق دقيقة تؤكد فعل الخيانة الموصوف، أو وجود نيّة مسبقة لتسليم الجولان دون قتال فعلي، وتقديم مبررات لعوامل الهزيمة ليس لها علاقة بفعل الخيانة، وإن كانت الأمور بنتائجها.

في النتائج؛ نعلم يقينًا أن الأسد الذي كان يُفترض تنحيته من منصبه -كمسؤول أول عن الهزيمة العسكرية- وبدلًا من الاستجابة لمنطق التاريخ والمعهود في الحروب في حالات النصر والهزيمة، عمل على تقويض الخط السياسي للبعث، وتقديم نفسه كبديل عبر إشارات فصيحة، طرحت بشكل مغموم في مؤتمرات الحزب بعد الهزيمة، والقبول عمليًا بالقرار 242 الصادر كنتاج للهزيمة، وهو يكرّس الاعتراف بـ “إسرائيل” وحدودها الآمنة، ويتخلى عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للعرب.. وكان ذلك العامل المهم لدعمه، وتأييد انقلابه، والتخلّص ممن كانوا يعتبرون “الرؤوس الحامية في دمشق”.

على امتداد عقود حكمه، ووريثه، كانت الحدود مع فلسطين المحتلة هي الأكثر أمنًا من بقية حدود “بلدان الطوق”، حيث منع النظام قيامَ أي عملية فدائية، أو إطلاق رصاصة واحدة، وتجديد وجود القوات الدولية كل ستة أشهر.. هنا قد يعترض البعض بحرب تشرين 1973 التي جاءت وكأنها خارج السياق، أو كمقطع عرضي يخالف نهج رأس النظامين في مصر وسورية، لذلك، بغض النظر عن شجاعة وتضحيات الجنود العرب في الجبهتين السورية والمصرية، والعبور إلى الضفة الأخرى من قناة السويس، هي بالفعل كانت حربَ تحريكٍ بدليل نتائجها، وما أسفرت عنه من صلح مع “إسرائيل”، على الجبهتين المصرية والأردنية، ومن اتفاقات فصل على الجبهة السورية.

مقطع عرضي آخر قد يثير اللبس أيضًا، وهو خاص بـ “حزب الله” واحتكاره للمقاومة اللبنانية، والوصول إلى تحرير الجنوب اللبناني، ودعم النظام السوري له، وكأنه هو الذي يقوم بفعل المقاومة عبر هذا الذراع، في حين كشفت الثورة السورية حقيقة دور “حزب الله”، ومن خلفه إيران.

نهج المقايضة أحد أبرز أعمدة سياسة النظام السوري، في عهدي الطاغية الأكبر والوريث، والكل يعرف أن نظام التوريث، في سبيل بقائه، استقدم شتى أنواع الميليشيات الطائفية التي تتغلغل في المجتمع السوري لطحن وحدته الوطنية، وزرع عوامل الحرب المذهبية الخطيرة، كما استدعى الاحتلال الروسي لتدمير أجزاء مهمة في سورية، وتوقيع اتفاقات امتياز لزمن طويل، وفقدان قراره المستقل بشكل فج.

النظام -من جهته- مستعد للتخلي عن الجولان وغيره؛ إذا كان الثمن ضمان بقائه، ويمكن له، أيضًا، أن يمضي خطوات في طريق تحديد العلاقة مع الوجود الإيراني (وإن كان لهذه العلاقة خصوصيتها)، وقد سبق للطاغية الأكبر أن تخلى عن إسكندرون، عندما هددته تركيا نتيجة علاقته بحزب (ب ك ك) الإرهابي.

الحقيقة الأخرى الجلية أن شبه الإجماع الدولي على بقاء الأسد في الحكم لا يمكن أن يكون مجانيًا، إنه يرتبط بتصورات لمستقبل المنطقة ومناطق النفوذ فيها، وسورية في القلب منها، إيمانًا من تلك الدول بأن نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا يمكن أن يكون بمثابة الزلزال في سورية والمنطقة، وأن النظام الذي خبروه وعجنوه سهل القياد والاستجابة لشروطهم.

هنا في هذه الصفقة تحضر فلسطين، أو ما تبقى منها بقوة، إن كان لجهة الخرق الكبير الذي قامت به الإدارة الأميركية لجميع القرارات الدولية حول القدس، حين استخفّت بها وبكل الأنظمة العربية ونقلت سفارتها، أو حول القرارات الخاصة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في القطاع والضفة، وهي الصفقة التي تتحدث عنها أوساط مطلعة كثيرة، في إطار تفاهمات روسية – أميركية واسعة تشمل ساحات دولية عديدة، والوطن العربي في صلبها.

نعم، لا جديد في الإعلان الإسرائيلي الصريح، أو في مواقف الدول، وأولها المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري، وهي التي تخلّت -لأسباب مختلفة- عن دعم حقوق الشعب في الحرية، وفي إقامة النظام البديل، وبما يثقل أوضاع المعارضة وفعاليات الثورة، ويدعوها إلى وقفة تقويمية جادة، وإعادة نظر في خياراتها، وخطابها، وحركتها، وعلاقاتها.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق