كلمة جيرون

من يسخر مِن الآخر!

بعد سبع سنوات عجاف، يعتقد النظام السوري، أفرادًا ومنظومة، أنه استطاع أن يسخر من كل الدنيا، وأن يفرض نفسه على الجميع نظامًا لا تستقيم سورية إلا به! كما يعتقد أنه استطاع الضحك على الحلفاء والمناوئين، بأخذه من كل طرف ما يدعم استمراره، نظامًا أبديًا لا يُشق له غبار! لكنّ هذا النظام، بسبب قصر نظره وقصور رؤيته وسوء تقديره، لا يرى إلا زاوية صغيرة جدًا من المشهد، كما لا يدرك مَن الذي يسخر مِن الآخر!

يعتقد النظام السوري أنه سخر من روسيا، وأنها مقابل تسهيله تدخلها العسكري وتسليمها قيادة المشهد العسكري والسياسي، ستحتضنه وتضمه إلى صدرها، وهو لا يُدرك أن ما جرى هو العكس، وأنها ستتخلى عنه، حين تضع الحرب أوزارها، لأنه لا يناسبها حليف مُهلهل وقاتل يمقته شعبه.

يعتقد النظام السوري أنه سخر من “إسرائيل”، بعد أن خدمها طوال خمسة عقود، ما دفعها إلى أن تطالب ببقائه حارسًا لحدودها يحميها كخادم مطيع، وقد طرب لكلماتها المعسولة، وهو لا يُدرك أن ما جرى هو العكس، وأن “إسرائيل” ستتخلى عنه بسهولة، عندما تحين ساعة التسوية الشرق أوسطية الشاملة، لأنه لا يناسبها حليف متلون باطني يحكم بميليشيات، ولا يعترف به الشعب.

يعتقد النظام السوري أنه سخر من الولايات المتحدة، إذ سلّمها بعضًا من كيميائيه كجزرة، وصنّع تنظيمات إرهابية عابرة للحدود واستخدمها كعصا، جعلته “ندًا يُحسب حسابه”، وهو لا يُدرك أن للولايات المتحدة حسابات هو أصغر بكثير من أن يُرى فيها، وأن مصيره لا يعنيها إلا بقدر ما يفيد مصالحها مرحليًا.

يعتقد النظام السوري أنه سخر من إيران، وأنها ستُقدّسه لأنه أباح سورية لها، وسهّل مشروعها القومي الطائفي ودعمه، وهو لا يُدرك أنه تورط معها، وصار يُحسب معها كنظام مارق لا يُحترم ولا يوثق به، نظام له من الأعداء أكثر بكثير مما له من أصدقاء، وربط مصيره بمصير ثلّة من الملالي المندثرين لا محالة.

يعتقد النظام السوري أنه سخر من مواليه، وأنه أقنعهم بأن حرب السنوات السبع هي حرب وجود لهم، وأنه حامي الحمى الذي لولاه لانقرضوا، وهو لا يُدرك أنهم وقفوا إلى جانبه، لأنه أباح لهم المحرمات، وسمح لهم بالفساد والنهب، وأنهم سينقلبون عليه مع أول بادرة سلام واستقرار، وسيحمّلونه وزر مئات آلاف الضحايا منهم.

ابتُلي السوريون بنظام لا يُميّز، اختبأ خلف شجرة، واعتقد أن ظلّها الكبير هو ظلّه، فأصابه جنون عظمة، وانفصل عن واقعه، وأخذ يحلم واهمًا بأبدٍ يستمر إلى ولد الولد.

القوة الذاتية للنظام السوري نكتة سمجة، وعلاقة روسيا به مرحلية تكتيكية، بدأت كمغامرة تجريبية، وانتهت باحتلال يستند إلى نظام يبيع ويشتري، والقوة الإيرانية ليست إلا جبالًا من الحقد، وجدت نظامًا سوريًا يرسيها، و”إسرائيل” قوة احتلال تعتمد على نظام عميل مرحلي، لا يمكن أن يُؤمَن جانبه، وبلاد العم سام لا ترى إلا نفسها، ولم تُشغّل نظامًا في العالم إلا تخلت عنه، بعد تأدية مهمته.

جرائم النظام خلال الحرب كثيرة، وهي لا تسقط بالتقادم، والجرائم ضد الإنسانية ليست مزحة تُمرَّر، وإن نظامًا باطنيًا مرتزقًا، ذبح الأطفال والنساء، وحرّض على القتل والتوحش، وزرع بذور الطائفية وسقاها، ونشر الضغائن والأحقاد، لن يكون موضع ثقة حتى عند أصدقائه، وسيُرمى، مع أول دقيقة سلام، كثياب بالية آن أوان استبدالها.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق