أدب وفنون

عندما انحرفتُ مع الأرملة

أنا يا جماعة، قررتُ أن انحرف.

– أبو الفوارس، أريد أن أنحرف، ساعدني بخبرتك..

– اقرأ كتابي (كيف تنحرف في خمسة أيام)..

– يستر على عرضك، بدون قراءات.. توجيهات كريمة على السريع، ولك زجاجة فودكا ثانية، أريد أن انحرف مع جارتنا الأرملة..

– أنت اختصاصك أرامل ومطلقات..

الحقير فراس، ابن الأقلية “الفودكاوية”.. كلما شربنا في الحانة أخذ علبة سجائري، وكأن سجائري.. تطمينات.

ضاقت عليّ هذه الحانة، شربتُ كأس عرق آخر.. روحي مثل البلاد، ذاهبة نحو التقسيم.

على الهاتف، أمي غير مهتمة لقذائف الأصدقاء والأعداء على حارتنا، تصرخ:

– الله يرضى عليك لا تنحرف..

يخطف أخي الصغير السماعة منها.

– ولااااه، إياك أن تنحرف مع بنت تركية، انحرف مع بنت سورية.. أبناء مظاهرات نحن، كل شيء إلا سمعتنا الوطنية.

يعجبني كثيرًا هذا الديناصور الصغير، بعد مئة مظاهرة اعتقلوه حماة الفزاعة! كان كلَّ ليلة، بعد إرجاعه إلى الزنزانة، إثر حفلة تعذيب في فرع الأمن السياسي، يجلس، يبتسم.. يشعل سيجارة وهو يضع ساقه المكسورة على ساقه المشوهة، ثمَّ يشرح للمعتقلين الشباب الطرق المضمونة لـ (تطبيق) بنات المدرسة الثانوية، مع ضرورة وجود (موتور) وأهمية (التشبيب)، كـ عنصر ساحر لـ (المسطولات) جمع (مسطولة)، وهي -بحسب قاموس حارتنا لـ حمدو المنهوج- المراهقة الضائعة بين أغنيات هاني شاكر.

كلُّ الأغنيات، ذاهبة إلى التقسيم.

صباح هروبي من سورية، قال لي الديناصور الصغير:

– اهرب من هنا، البلاد خربت! أنت لك مستقبل، كاتب وابن جامعات وجميل، تلحس حالك، نحن الفاشلون سنبقى هنا، في هذه البلاد، أرسل لنا عرقًا برحمة أبيك..

وهربتُ بحقيبتين وكتب كثيرة وورقة عليها مقادير طبخة الأرز، قرأتُ كلّ الكتب، ولم أقرأ هذه الورقة.

في ذلك الصباح البارد، بعد كلام أخي، بكت بيوت الحارة، والمظاهرة.. صار فستانها أطول.

– يا بني، برحمة أبيك لا تنحرف، إن انحرفت كلُّ الأديان سوف تزعل منك.

– أمي، الله يرضى عليك أنتِ.. حلّي عني، ثمَّ أنتِ شبعانة من زمان..

– يلعنك يا حقيييير…

– هههه تكبييييير…

متأكد، وحده نهد الأرملة سوف ينقذني من هذه الوحدة الموحشة.

– ما رأيكَ بـ فستاني؟

سألتني الأرملة بدلال عذب، عندما دخلنا الحانة.

– بصراحة، ليس لدي خبرة في الفساتين، لكن لدي خبرة في السيقان الجميلة، أستطيع أن أعطيك رأيًا مهمًا في ساقيكِ..

ما أجمل رب ضحكتها ولكمتها الناعمة على كتفي، لا تمت أيها الديناصور الصغير بقذيفة للأصدقاء، حتى لا يشمت بنا التاريخ.

– أريد أن أعمل هنا في الخياطة، ماذا تنوي أن تعمل؟

– أحاول أن أفتتح دكانًا للبوظة أمام ثانوية للبنات، بوظة على الفحم، مدقوقة وفقًا للشريعة الإسلامية، لحس حلال..

شربنا كثيرًا ورقصنا مخمورين بين الطاولات كمهرجين في مسرحية شاحبة. كلُّ المسرحيات.. ذاهبة إلى التقسيم.

– ما رأيكِ أن نشرب كأسًا آخر في غرفتي؟

غمزتها فابتسمتْ بخجل، أنا قادمٌ أيها الانحراف، صرختُ على سائق سيارة الأجرة، أن يسرع.

خلفه، شرعنا بقبلات شهوانيّة، الديناصور الصغير راح يهذي في المرآة العلوية للسيارة، زوجها المقتول، تسلل من العالم الآخر، وصار يخبط بجنون على زجاج الشباك بجانبي.

أمص شفتها السفلى.

– سنبقى في هذه البلاد، نحن الفاشلون، نحن الفاشلون..

أصابعي تتمشى على فخذها.

– يا حقير، ابتعد عن زوجتي! عندما تأتي إلى العالم الآخر سوف أنحرف معك كثيرًا، يا حقير.. يا حقير..

وضعتُ كفي على نهدها.

– الله يرضى عليك لا تنحرف..

باحتْ بآهة طويلة، انحرفتْ بنا السيارة، لتصطدم بـ عامود كهرباء، انقلبتْ عدة مرات ثمَّ استلقتْ على الرصيف وهي تحترق ببطء.

خرجتُ بصعوبة من حطامها، سحبتُ الأرملة والدماء تسيل من وجهها، صرختُ بها، مسحتُ على ملامحها، حضنتُ جثتها.

فجأةً، اقتربتْ منا لتتناثر حولنا كأطياف شفافة، في صمت ليل هذا الشارع! نظرتُ بخجلٍ إليها، ذبحني الندم، كلها.. رمقتني بحزن، حاولتُ أن أبرر لها، لكن كلماتي اختنقتْ في حلقي.

تأملتها، كانت كلُّ الأديان، زعلانة منّي.

* اللوحة للفنان السوري عز الدين عبود

مقالات ذات صلة

إغلاق