أدب وفنون

أوراق العشب

“كل لحظة من النور أو الظلام، هي معجزة حقيقية علينا أن نستغلها”. وولت وايتمان

كانت (أوراق العشب) سفره الشعري الكامل؛ إذ لم يكن إلا صرحًا شعريًا، استغرق نحو نصف قرن من حياته، النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان قارة شعرية بكاملها، لم يسبق أن عرفها الأدب الأميركي، ولا المكتوب بالإنكليزية عامة. قارة تضم بلدانًا وصحاري وجبالًا، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب شاعر من قبل.

(أوراق العشب) هو مجموع شعره الذي كتبه خلال حياته، فلم يُصدر ديوانًا منفردًا إثر ديوان، على عادة الشعراء المحدثين، بل أصدر “أوراق العشب” في طبعات متتالية. كل طبعة تحمل ما استجد لديه من قصائد وإضافات شعرية، وتغييرات متفاوتة في البنية وفي بعض الألفاظ والسطور.

لذلك كانت كل طبعة منها لا تشبه سابقتها ولا تكررها. ففي طبعته الأخيرة (طبعة فراش الموت) كتب وايتمان منوهًا: “نظرًا لوجود طبعات متعددة، ونصوص وتواريخ مختلفة لـ (أوراق العشب)؛ أودُّ القول إني أفضّل وأوصي بهذه الطبعة، الكاملة، للنشر المستقبلي..”.

كان لكل طبعة منها، ذكرى وحكاية ترسم حياة صاحبها نفسه، وسيرته الذاتية أو سيرة أميركا نفسها.

وولت وايتمانWalt Whitman  (1819 -1892). شاعر أميركي، كاتب مقالات، صحفي، محبٌّ للخير ويعنى بالشؤون الإنسانية. كان جزءًا من المرحلة الانتقالية التحوّليّة بين الحركة الأدبيّة المثالية الواقعية، وبين الفلسفة المتعالية والإبهام الأدبي، فمزج، من خلال أعماله الأدبية، بين أفكار هاتين الحقبتين، فأتى شعره مثيرًا للجدل في تلك الفترة من عصره، وعليه وُصفت مجموعته الشعريّة (أوراق العشب) بالمجموعة الفاجرة لدلالاتها الجنسيّة العلنيّة الواضحة.

ولد وولت وايتمان لأبوين ينتميان إلى أصول إنكليزية وهولندية، عاشت عائلته في (بروكلين)، حيث تلقى تعليمه الأولي فيها، لكنه لم يكمل تعليمه، واشتغل صبيًا في مطبعة. كان يقرأ كل ما تصل إليه يداه: الإنجيل، شكسبير، هوميروس، شعراء الهند وألمانيا القدماء، كذلك قرأ دانتي كله.. أثرت هذه القراءات على شعره في الإيقاع والمضمون، خاصة في مراحله المتأخرة.

استطاع نتيجة اطلاعه المستمر أن يعمل في التدريس، ثم تركه للعمل في الصحافة وكتابة المقالات، واشتغل بالسياسة، وأصبح من الرواد الأوائل الذين أرسوا دعائم الديمقراطية الأميركية.

اتسع نشاطه الأدبي والسياسي لدرجة أنه بعد عام 1841 كان يراسل ويكتب في عشر مجلات في (بروكلين ونيويورك)، لكن الأشعار التي نشرها في هذه الفترة، كانت تقليدية وهزيلة، والقصص التي نشرها كانت سطحية ومسرفة في العاطفة.

اعتبر أهم شاعر عبّر عن الديمقراطية الأميركية، وأول شاعر أميركي يحوز إعجاب الأميركيين والأوروبيين على حد سواء. فقد هاجم كل أنواع التعصب والفاشية والديكتاتورية مؤكدًا، أن لا ازدهار لأمة إلا بترسيخ الديمقراطية فيها. آمن بأن الحرية الفردية لن تجد متنفسًا لها إلا في الحب، على حين تتمثل الحرية الاجتماعية بالديمقراطية.

وهكذا فإن الحب والديمقراطية هما وجهان لعملة واحدة هي المجتمع الإنساني.

أكد أن تجديد الفكر الإنساني، لن يتم إلا من خلال الاتحاد بين حكمة الشرق الروحاني ومادية الغرب الطاغية.

عام 1861 بدأت الحرب الأهلية الأميركية لتنتهي عام 1865 بعد 4 سنوات و3 أسابيع و6 أيام، لكنه لم يتأثر بها، إلا بعد سفره إلى فرجينيا، لزيارة أخيه الذي جُرح في إحدى المعارك، حيث عاد وايتمان إلى واشنطن، وتطوع كممرض في مستشفيات الجيش لخدمة الجنود الشماليين أو الجنوبيين على حد سواء. تعهد وايتمان، إبان اندلاع الحرب الأهلية، أن يعيش حياة مطهرة خالية من الذنوب. فعمل صحفيًا مستقلًا، وزار الجرحى الموجودين في مستشفيات نيويورك. وبعدها سافر إلى العاصمة واشنطن، في شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1862، كي يشرف على رعاية أخيه الذي أصيب في الحرب. لكنه لم يقوَ على تجاوز ما رآه في واشنطن من مشاهد الجرحى ومعاناتهم الشديدة، فعزم على البقاء والعمل في المستشفيات، وقضى هناك زهاء 11 عامًا، شاهد أهوال الحرب بعينيه، وضمد جراح المصابين، وكتب رسائلهم، وصادقهم، وتبنى بعضهم، لذلك تعمقت جراحه وازدادت معارفه وتوسعت وصُقلت مداركه، فأضاف صفحات وصفحات لإنجيله وسفره الضخم، الحالم بحرية الإنسان الكاملة. كما سجل ذكرياته في الحرب، في كتاب وصفي بعنوان (مذكرات الحرب 1875)، وقد تأثر شعره بهذه التجربة الإنسانية، فكتب ديوان (دقات الطبل).

كافح وايتمان معظم حياته لتأمين قوت يومه؛ ففي واشنطن كان يعيل نفسه من راتبه الوظيفي، وعائدات حقوق الملكية المتواضعة التي كان يحصل عليها. كان ينفق أي أموال إضافية ينالها، بما في ذلك هدايا الأصدقاء، لشراء حاجيات الجرحى الذين كانوا تحت رعايته، فضلًا عن إرساله بعض المال إلى أمه الأرملة وشقيقه المُقعد. وبين الفينة والأخرى، كان بعض المؤلفين في إنكلترا والولايات المتحدة الأميركية يرسلون بعض المساعدات المالية لوايتمان كي يتدبر أموره بها.

في مطلع عقد السبعينيات من القرن التاسع عشر، توجه وايتمان إلى منطقة كامدن بولاية نيوجرسي، لعيادة أمه التي كانت تحتضر في منزل شقيقه، ولكنه قرر البقاء بعد أن أصيب بالشلل، حيث أصبح مستحيلًا عليه بعدها العودة إلى واشنطن. عاش وايتمان آنذاك في منزل شقيقه حتى عام 1882.

وبعد ذلك تمكن من شراء منزل في كامدن، بمساعدة الأموال التي حصل عليها لقاء نشر طبعة جديدة من كتاب Leaves of Grass””، وهكذا أمضى السنوات الأخيرة من حياته في منزله المكون من طبقتين، حيث انكب على إدخال إضافات إلى الطبعة الجديدة من كتابه ومراجعتها، ولذلك، اعتبُرت احتفالًا رفيعًا بالحياة والحب، وبتفتح الطاقات الإنسانية عن آخرها، بلا حدود ولا أسلاك شائكة، فضلًا عن إعداده لكتابه الأخير المكون من قصائد شعرية ونثرية بعنوان “Good-Bye, My Fancy”.

استمرّ وايتمان في النشر وإعادة طباعة هذا العمل إلى حين وفاته، إثر سكتة دماغيّة في نيوجرسي، أودت بحياته عام 1892عن عمر يناهز 72 عامًا، حيث كانت جنازته مشهدًا تاريخيًا مذهلًا. لكنه كان أسطورة أميركا؛ كانت عينه على الحياة الأميركية، في حين تتبعت عينه الأخرى الحياة في كل مكان؛ لأن الشاعر هو ضمير أمته، ولا يمكنه النظر خارج حدودها، لاستلهام الوحي، وأن الطريق إلى العالمية الإنسانية، لا بدّ أن يمر بالإقليمية المحلية.

“أعد تقييم كل ما قيل لك،

وتخلص من كل ما يلحق الضرر بروحك ونفسك

كل ما يُرضي الروح، هو الحقيقة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق