مقالات الرأي

الحرية والحق والعدالة

في هذه المرحلة من مخاض ثورات الربيع العربي، تجد النخبة الواعية العربية نفسها مضطرة إلى إعادة التفسير والاعتبار لمفاهيم الحرية والحق والعدالة، ووضعها في واجهة الحراك الثوري القادم، بعدما استطاعت السلطات الفاشية الحاكمة، والمنظومات الدينية المتخلفة، تشويهها بل حجبها عن معترك النضال، بل تحويلها إلى مجرد ألفاظ يستخدمها نظام الرعاع، ومعظم كهنة الأديان ومن والاهم، للسخرية من أحرار تلك الثورات، وفي هذا الإطار كان هذا المقال.

هل تُصادر الدولة حرية الفرد، عندما تفرض قوانينها على المجتمع؟ وهل يحق للفرد أن يثور على تلك القوانين انتصارًا لحريته؟ تلك المسألة كانت وما زالت مثار جدل وخلاف بين الفلاسفة وأرباب السياسة، وكهنة الأديان، وأصحاب السلطة على اختلاف أنماط تفكيرهم.

إن ما يتبادر إلى الذهن، عند طرح قضايا الحرية والحق والعدل، هو تلك المعضلة التي تواجه حق الفرد في الحرية، باعتبارها فطرته الطبيعية من حيث المبدأ، لكنها على صعيد ممارسة ذلك الحق ستؤدي إلى حرب الكل على الكل، وسواد القوي على الضعيف وانعدام العدالة، وبالتالي إصابة الحرية في مقتل. إذًا كان لا بد من تدخل عامل الثقافة للفصل بين الحرية الفطرية التي تتمتع بها بقية الكائنات، وبين الحرية المرتبطة بالإنسان الذي يتميز عنها بثقافتة المتغيرة والمتطورة.

يرى توماس هوبز (وهو أكبر فلاسفة القرن السابع عشر في إنكلترا وأكثرهم شهرة في المجال القانوني) أن العقل الإنساني “اكتشف قاعدة ضرورة التنازل عن الحرية المطلقة، ليتعايش مع غيره حفاظًا على سلامته وأمنه، في إطار توافق اجتماعي. إن الحرية المرتبطة بالطبيعة الفطرية للإنسان تقوده إلى العنف كي يشبع غرائزه الفطرية، ويبدو أن ذلك من حقه طالما كان أقرب إلى الحياة البدائية التي تشبه حياة الحيوانات”.

لكن التغييرات التي طرأت على حياة الإنسان، كما يقول جان جاك روسو (وهو كاتب وأديب وفيلسوف سويسري، من أهم كتاب عصر التنوير الذي امتد من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين) فرضت عليه الدخول في شراكة اجتماعية، توجت بعقد اجتماعي يحفظ لكل فرد حقوقه المدنية وحريته السياسية، ولكن على ألا يؤدي الانتقال، من الحالة الطبيعة الفطرية للإنسان إلى حالة المجتمع المدني التعاقدي، إلى فقدانه حقوقه في الحرية والكرامة؟ هذا السؤال يجيب عليه الميثاق العالمي لحقوف الإنسان الذي اعتبر “كرامة كل إنسان في إطار كرامة الكل هو الأساس لحقوقه المدنية والاجتماعية والثقافية”.

على ذلك؛ فإنه لا وجود لحريةٍ سوى تلك المستمدة من القوانين، تلك القوانين التي يجب أن تمنح الحقوق ذاتها لكل الأفراد بالدرجة نفسها. إن تفسير مبدأ الحرية، من منظور عقائدي ديني أو حزبي أو عنصري، ينفي عن الحرية معناها الأصيل، وهدفها في حفظ كرامة الإنسان. ففي بعض الديانات يمنح كهنتها الحرية لأتباعهم حرية إخضاع الناس بالقوة لمعتقدهم، باعتباره الحق المطلق. وفي النظام الشمولي يعتبر المفكر خارج سربه عدوًا لدودًا للوطن، باعتباره مناوئًا لسلطتهم المعصومة! وفي النظام القائم على الهوية العنصرية، تُقسم المجتمعات إلى درجات حسب لون الفرد وجنسه، ولأجل إحقاق الحق، لا بدّ من سيادة العدالة المسلحة بالقانون على المجتمعات الإنسانية كافة، ذلك القانون الوضعي الذي يعترض حرية أتباع الأيديولوجيات الدينية والحزبية والعنصرية في إخضاع الناس لسلطتهم، لكن ذلك الحق القانوني الذي تكفله العدالة لا بد له من آليات تحفظ استمراريته.

في هذا يرى أرسطوطاليس (وهو فيلسوف يوناني، من تلامذة أفلاطون توفي عام 322 قبل الميلاد) أن العدالة “تتحدد بالتقابل مع الظلم، العدالة تعني أن يمارس الناس حريتهم، وفق القوانين التي تساوي بينهم، والظلم هو في سلوك السلطة المنافي للمساواة، متمثلًا في خروجها عن القانون، فالقوانين هي التي تشرع الأفعال والأحكام خدمة للمصلحة العامة وتحقيق سعادة الجماعة، والعدالة تقتضي تنفيذ تلك القوانين بصرامة”.

في السياق نفسه، يرى باروخ سبينوزا (وهو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17، توفي عام 1677) أن الفرد قد ينتهك القانون، لكن الدولة لا يمكنها أن تفعل ذلك؛ لأن القانون يمثل العدل، ولأنها الضامن لتحقيقه واستمراريته، إذ لا يوجد حق خارج إطار القوانين العادلة التي تضمنها الدولة وتمارسها على الجميع دون استثناء.

لكن جون رولس (فيلسوف سياسي وأخلاقي أميركي صاحب نظرية: قانون العدالة، والمتوفى عام 2002) يُلاحظ أن العدالة يجب أن تقوم على مبدأ الإنصاف، بمعنى أنها تمنح كلّ الأفراد الحقوق الأساسية نفسها، لكنها من جهة ثانية لا تضع العوائق أمام بعض الأفراد الذين يسعون لتحسين ظروفهم الخاصة بسبب مواهبهم ونشاطهم، بل تسهل لهم الأمر شريطة أن تسهل لكل فرد آخر بالقدر نفسه أيَّ أمر يعترض طريق تحسين حياته.

وكخلاصة، فإن مبدأ الحرية يتساوق مع مبدأ الحق، ومبدأ القانون والعدالة، وإن أهمَّ وظيفة للدولة الديمقراطية هي إقرار تلك المبادئ والسهر على تنفيذها بشفافية وصرامة على جميع رعاياها، عبر فصل السلطة القضائية التي مهمتها إقامة العدل، عن سلطة الحكومة التي تهتم بشؤون المجتمع كافة، وتطلع بالسياسة الداخلية والخارجية، فتحفظ أمن البلاد الداخلي من خلال أجهزة الأمن والشرطة، وتحافظ على استقلاله وحدوده بواسطة الجيش الوطني، وتخضع في كل وقت لإشراف السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب، ولا ريب أن حرية التعبير والتظاهر والإضراب مكفولة في الدولة الديمقراطية، لتكون تلك الحرية وسيلة الشعب للتعبير عن رأيه في سياسة حكومته، وفي إرادته لتحسين ظروف حياته، وفي كشف بؤر الفساد التي تعرقل تطور البلد ونمائه.

إن افتقاد معظم الدول العربية لسلطة الحق والعدل والحرية هو ما أدى إلى ثورات الربيع، وسوف يظلُّ هاجس تحقيق الحرية والحق والعدالة دافعًا لا ينكسر، عند كل الشعوب المظلومة.

مقالات ذات صلة

إغلاق