تحقيقات وتقارير سياسية

الجنوب.. انطلاق قطار الحل أم تغيير لشكل الصراع؟

مضى أكثر من عشرة أيام، على بدء التفاوض بين (الجيش الحر) والدولة الروسية، وأقول بين (الجيش الحر) والدولة الروسية، وليس كما تقول روسيا بأن التفاوض بين (الجيش الحر) والدولة السورية. وقولها هو لمجرد الحفاظ على ماء وجه الدولة السورية، في المرحلة الحالية التي ينحصر دورها بتنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه، بين قوى (الجيش الحر) ومندوب الدولة الروسية في التفاوض، فليس من المقنع لشخص جاهل أن تُمثّل مذيعة سورية الدولةَ السورية، في مسائل معقدة ومصيرية.

تُسابق روسيا اليوم الزمن، من أجل الوصول إلى حل نهائي، لا يُظهرها بمظهر الخاسر، وبالمقابل لا يُظهر أن الثورة السورية قد انتصرت، فالحل القادم هو دولة سورية ليس فيها خاسر أو رابح، إلا إذا اعتبرنا رحيل الأسد انتصارًا كاملًا للثورة.

منذ عشرة أيام، يشعر الباحث عن معلومة أو تفصيل في اتفاق الجنوب، بأنه كمَن يبحث عن إبرة على سطح المريخ، فالشائعات تجتاح المجالس في قرى حوران، والتسريبات تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، بين رسائل صوتية يُرسلها الناشطون من طرف، وتُرسلها أجهزة النظام من طرف آخر، وتتحدث أجهزة إعلام النظام عن انتصارات عسكرية وهمية، فلم يحصل النظام حتى اليوم إلا على دقائق مصورة في هذا الحي أو ذاك، ومشهد رفع علم الدولة السورية لزوم التصوير فقط، ثمّ الخروج والعودة من حيث أتى رجال النظام المرافقين للشرطة العسكرية الروسية، ولتبقى كل المناطق تحت سيطرة قوى الثورة، بل معززة بخدمات الدولة كاملة من ماء وكهرباء وغذاء ووقود. ومن البنود التي رشحت حتى الآن ما يحصل مع الشباب، في سن الجندية والمنشقين عن جيش النظام، والتأكيد لهم أن هناك تسويات لأوضاعهم بعد ستة أشهر، على أن تكون الخدمة في المناطق التي تُسيطر عليها قوى الثورة، وليس مع جيش النظام.

بوضع التصور العام لما حصل، وربطه بباقي الأرض السورية؛ نجد في المحصلة أن لدينا ثلاث قوى ناشئة، وجميعها تحت السيطرة الروسية المباشرة، وهي قوى الثورة في الجنوب، وقوات العقيد في جيش النظام (النمر) الذي يحظى بالدعم والحماية الروسيتين في الوسط، وقوات (درع الفرات) في الشمال، التي تتبع حاليًا تركيا وستنتقل إلى القيادة الروسية في مرحلة لاحقة، وهذه القوى الثلاث خارجة عن سيطرة الأسد والميليشيات الإيرانية، وهذه القوى الثلاث ستشكل نواة الجيش السوري الجديد لاحقًا، بتفاهم روسي أميركي وموافقة دولية.

تريد روسيا الحلّ على طريقتها، وابتدأت بجمع السلاح الثقيل وضبطه، تمهيدًا للحل السياسي الموازي والقادم عبر كتابة دستور جديد للبلاد، وعلى الأغلب هو تعديل لدستور العام 2012، بما يُرضي -ولو بالحد الأدنى- قوى الثورة، ويحمي حقوق الأقليات في سورية. وجمع السلاح هو عملية استباقية تسبق الإعلان عن الدستور، كي يضمن الطرف الروسي، في حال كان هناك رفض للدستور، أن لا يكون هناك رفضٌ مسلحٌ بالسلاح الثقيل.

قد يتساءل البعض: هل ستوافق الولايات المتحدة على التفرد الروسي في القرار في سورية؟ يمكن الجزم هنا بأنها ستوافق، لأن هناك مكاسب أخرى للولايات المتحدة في المنطقة، وليس في سورية، فإنهاء حكم الملالي في طهران هو أولوية السياسة الأميركية في المنطقة برمتها، وذلك لأسباب كثيرة موضوعية ومنطقية؛ حيث إن تدخلات إيران في المنطقة مبعث قلق وإزعاج للأميركيين، وبات من الضروري الخروج من نظرية أن إيران هي الفزاعة في المنطقة، فقواعد اللعبة اليوم اختلفت، وأميركا في طور استعادة نفوذها على إيران كاملةً، كما كانت في عهد الشاه، تمهيدًا لإخراجها من المحور الصيني – الروسي، وتوقيف إيران عن المتاجرة بالقضية الفلسطينية وإفقار شعوب المنطقة، وتبديد طاقاتها على مشاريعها التوسعية، ولم تعد تمتلك إيران الكثير من الوقت كي تغيّر قواعد اللعبة، فالمسألة أصبحت مجرد وقت، والحلول في المنطقة تجري بشكل متسارع، أكثر مما يستوعبه نظام الملالي والولي الفقيه.

مقالات ذات صلة

إغلاق