ترجمات

قصص من شاتيلا.. لاجئون يكتبون حكاياتهم الخاصة

مؤلفون هواة في مخيم للاجئين في لبنان كتبوا معًا رواية. إنه إنجاز أدبي فضلًا عن أنه شهادات

 

الصورة: مخيم شاتيلا، بيروت، لبنان. تصوير: سوزانا داليزيو/ صور سوبا/ لايت روكيت عبر صور جيتي.

أشكالٌ فنية عديدة تُنتَج بشكل تعاوني، على الرغم من أننا نتمسك بفكرة أن الأدب يجب أن يكون عملًا لضمير فردي. إن (قصص شاتيلا)، وهي رواية مؤلفة من تسع قصص خيالية كُتبت في ورشة عمل، تثبت أن ذلك خطأ. لا تتداخل ببعضها فقط، بل تكمن قوتها في تعدد وجهات نظرها وأصواتها التي، بدلًا من أن تكون خدعة ذكية من خدع ما بعد الحداثة، تضفي العمق، والقوام، والأهم من ذلك كله الصدق، وهذا أمر ضروري نظرًا إلى أن هذه هي قصة بدأت في شاتيلا، وهو مخيم للاجئين في بيروت.

“لا تتحدث عن المخيم؛ إلا إذا كنت تعرفه”، تأمر خربشة من الكتابة على الجدران في صورة فوتوغرافية في البداية. كُتّابها التسعة، الذين فرَّ بعضهم من الحرب في سورية، وبعضهم وُلدوا في المخيم، يعرفون ذلك بشكل وثيق، والنتيجة هي كتاب غير مألوف ومذهل، كتاب له القدرة على تفتيح العقول وتغيير المفاهيم.

أنشأ الصليب الأحمر مخيم شاتيلا عام 1942 لاستيعاب عدّة مئات من اللاجئين الفلسطينيين حسب ويكيبيديا، تختلف التقديرات، ولكن منذ إسكان أولئك الذين يفرّون من الحرب في سورية، يُعتقد الآن أنه يستوعب ما يصل إلى 22 ألف وربما إلى 40 ألف شخص في كيلومتر مربع واحد. كان المخيم مسرحًا لمذبحة وحشية في عام 1982، عندما قام المسلحون بتعذيب وقتل ما بين 700 و3,500 شخص، هناك وفي منطقة صبرا المجاورة، ومن غير المفاجئ أن عمليات الذبح تسكن صفحات قصص شاتيلا. هذه الأيام، يحكم المخيم مختلف الفصائل الفلسطينية، وغير مرغوب فيه بالكامل من لبنان، أزقته الضيقة، وشققه ومقاهيه وأسواقه، مثل قِدر طهي بالضغط يسمح في الوقت نفسه لأسوأ وأفضل ما في الطبيعة البشرية، بأن يزدهر. تروي الحكايات المتشابكة هنا صورًا عن هذا العالم الفريد، بدلاً من بعض الحكايات التي عمّمت “تجربة اللاجئين”: الرواية تلامس الحب، والخيانة، والفداء وتحقيق الذات في بوتقة المخيم، فضلًا عن أهمية التاريخ وثمن التغيير. إن المأساة، عندما تضرب/ تصيب، هي أمر مروّع وغير متوقع -ليس أقلها لأنها كانت تنذر بدهاء- ولكن الحياة تستمر، كما يجب لأجل أولئك الذين تُركوا بعدنا.

بيرين، دار نشر لروايات مترجمة مقره لندن. أسستها ميكه زيرفوغل، الروائية الألمانية التي عملت مع منظمة لبنانية غير حكومية: منظمة (بسمة وزيتونة) لإقامة ورشة عمل للكتابة الإبداعية مدة ثلاثة أيام، في المركز الاجتماعي الذي تديره في شاتيلا. تم تمويل المشروع من خلال حملة كيك ستارتر Kickstarter. مع سهير هلال، اختارت سهير تسعة مشاركين تراوح أعمارهم بين 18 و42، وبعد انتهاء ورشة العمل، كان أمام كل منهما ستة أسابيع لتقديم مسودة مطبوعة من 4000 كلمة، وخلال تلك الأسابيع، كانت المجموعة تجتمع، عبر (واتساب) WhatsApp. بعدئذ، عادت سهير هلال، وميكه زيرفوغل إلى المخيم للعمل مع الكتاب على كتاباتهم الخاصة، وتحويلها إلى سردية متماسكة، حيث تُرجمت بعد ذلك. تلقى كل كاتب سلفةً، وسيكون مرشحًا للحصول على حقوق التأليف، كما سيتم التبرع بمبلغ 50 بنسًا من بيع كل كتاب لجمعية (بسمة وزيتونة) الخيرية.

بالطبع، كانت العملية بسيطة. “في اليوم الأول، وصل المشاركون في وقت متأخر”، كما تكتب زيرفوغل في المقدمة. “البعض لديه أسباب وجيهة، لأن حياة اللاجئ يمكن أن تكون فوضوية … على مدار ورشة العمل، تعامل الكُتاب مع العديد من التحديات: الأمراض بشكل رئيس بسبب نقص النظافة الرهيب في المخيم المكتظ، ولكن أيضًا بسبب الوفاة المفاجئة لأحد أفراد العائلة”. لم تكن ظروف الكتابة مناسبة قط:” كانت الغرفة التي استخدمناها حارة مثل الساونا … وبالطبع لم يكن لدينا أجهزة كمبيوتر، لدينا فقط الأقلام والأوراق”. كان افتقار المشاركين إلى الخبرة أيضًا مشكلة: “لم يستكمل بعضهم تعليمهم الرسمي، وعدد منهم لم يقرأ قط رواية في حياته”.

هناك، كما هو طبيعي في أي مشروع من هذا النوع، بعض الصعوبات الطفيفة: صور مزعجة، وعبارات مبتذلة، وحوار محرج، لا شيء منهم يهم. “هناك العديد من تقنيات الكتابة الخيالية التي لم نتعلمها، مثل الصوت أو وجهات النظر أو حتى اختيار زمن الفعل/ الصيغة”، كما تكتب زيرفوغل. “كل هذا يمكنني أن أتدبره في عملية التحرير”. من الواضح أن الكثير قد تم تدبيره، وهناك قضية قوية لا بدّ من ذكرها، وهي أن المزيد من التنضيد قد أفسد العفوية والصدق للمشروع، وضيّع الإحساس بتعدد الأصوات التي تتحدث إلينا مباشرة من مخيم شاتيلا.

تعترف زيرفوغل أنه في وقت مبكر من المشروع فكرّت في التوقف عن المشروع: “خشيتُ من أننا سوف ننتج كتابًا بائسًا يمكن أن يكتبه اللاجئون أيضًا”… ولكن مع نهاية اليوم الأول، تغيّر شيء ما داخل نفسي وداخل الكُتّاب. أصبح تركيزهم وعزيمتهم واضحين”. إن العثور على طريقة للتعبير عن حقيقة تجربتك هو تحولٌ جذري، وللقيام بذلك يجب أن يكون التعاون على نحو مضاعف.

“أعطونا نيّاتكم الطيبة، وشفقتكم الهادئة”، شطرٌ من قصيدة غير منسوبة في بداية الكتاب. لا داعي إلى الشفقة؛ فإن قصص شاتيلا، كقراءة ممتعة، وكأدب، وكشهادات، هي نجاحٌ مدوّ.

 

اسم المقالة الأصلي Shatila Stories review – refugees write their own tales
الكاتب ميليسا هاريسون، Melissa Harrison
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian، 11/6
رابط المقالة https://www.theguardian.com/books/2018/jul/11/shatila-stories-suhir-helal-review
عدد الكلمات 748
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

مقالات ذات صلة

إغلاق