قضايا المجتمع

القانون الدولي وموقفه من قتل السوريين في لبنان

صرحت منظمة (هيومن رايتس ووتش) بأنها تطالب الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، بنشر نتائج التحقيق في وفاة أربعة سوريين محتجزين منذ أكثر من عام في لبنان، تمّ اعتقالهم من مخيمات عرسال شرق البلاد. ولعلّ هذا البيان التوضيحي يشير من جديد إلى أن هناك كثيرًا من الضيم والعنف والعنصرية التي تمارَس على السوريين في الأراضي اللبنانية، وسواء أكان من يقوم بها لبنانيون عنصريون أم عناصر الجيش والأمن اللبناني، فإن هذا الأمر يدفعنا، مع المنظمة المذكورة، إلى أن نرفع الصوت بحثًا عن بدائل تحمي السوريين اللاجئين في لبنان وسواها. (جيرون) سألت بعض المحامين والقضاة عن موقف القانون الدولي الإنساني من ذلك؟ وهل يمكن أن ينتج عن هذه المطالبة أي شيء؟ ومن ثم ما الذي يمكن أن يفعله المحامون السوريون لمنع حدوث ذلك مستقبلا؟

القاضي والمستشار السوري السابق حسين حمادة قال لـ (جيرون): “الدستور اللبناني يماثل الدستور السوري، من جهة القواعد الدستورية التالية: لا جريمة ولا عقوبة بدون نص قانوني، المتهم بريء حتى يدان بحكم قضائي اكتسب الدرجة القطعية، لا يجوز حجز حرية الأشخاص دون مذكرة قضائية. كما أن قانوني العقوبات السوري واللبناني ينصان على أن من ألقي القبض عليه يجب أن يساق دون إبطاء إلى القضاء؛ ليقرر وضعه سواء بالتوقيف أو بالترك وإخلاء السبيل.  إن حجز الحرية من أي جهة كانت، من دون مذكرة قضائية، يعدّ جرمًا جنائيًا. ناهيك عن أن العقوبة يجري تشديدها، إذا أفضى حجز الحرية إلى الوفاة”.

أضاف حمادة: “إن ما بينته منظمة (هيومن رايتس ووتش) لجهة الخطف والاختفاء القسري، بحق بعض السوريين، هو جريمة تعاقب عليها القوانين الوطنية، وفي نظام روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية. ولا شك أن المحاميين السوريين واللبنانيين يستطيعون التقدم بادعاء إلى النائب العام اللبناني، يعلمونه بالواقعة، وعلى النائب العام -قانونًا- أن يباشر التحقيق، ويتخذ الإجراءات المنصوص عنها بالقانون اللبناني. لكن المشكلة أن سورية ولبنان تحكمهما عصابة لا تقيم وزنًا أو اعتبارًا لدستور أو قانون”.

أما المحامي السوري علي محمد شريف، فأكد لـ (جيرون) أنما يتعرّض له اللاجئون السوريّون، الضحايا في واقع الأمر، في لبنان وصمة عار وجريمة كبرى، إن لم نقل سلسلة من الجرائم يرقى بعضها إلى الجرائم ضدّ الإنسانية، كالخطف القسري والاعتقال والتعذيب المفضي إلى الموت، وتسليم بعض المعارضين إلى أجهزة أمن النظام الأسديّ المجرم، في مخالفة لأبسط قواعد الحماية المقرّرة للاجئين في القانون الدولي الإنساني والقانون الإنساني الدولي ولمجمل المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وبخاصة الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية اللاجئين لعام 1951 وبرتوكول 1967. وتتحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية جميع الانتهاكات بحقّ اللاجئين السوريين، التي تقوم بها أجهزتها ومؤسساتها الرسمية أو تلك الصادرة عن ميليشيا (حزب الله) أو أي جهة أخرى، سواء أكانت ذات طبيعة مؤسسية أم فردية، إضافة إلى المسؤوليّة الجزائية والمدنية لمرتكبي هذه الانتهاكات.” وأردف قائلًا: “ما تقوم به مشكورة منظمة (هيومن رايتس ووتش) هو في إطار عملها الرقابي، كمنظمة دولية غير حكومية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان والدعوة لها، وهذا يعني أن تقاريرها، مع ما تملكه من طابع أدبي ومن احترام وموثوقية، ليس لها قوة الإلزام أمام أي جهة محلية أو دولية، ولا يمكن أن تكون منتجة ومؤثرة، على الحقيقة، في ظلّ تجاهل أممي لما يرتكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في سورية ولبنان والعالم. ولا يملك المحامون ورجال القانون والقلم وقف هذه الانتهاكات الخطيرة ومنع الجرائم المرتكبة من قبل أجهزةٍ ومؤسسات بعضها رسمي للأسف، فهي مهمّة الأمم المتحدة وأجهزتها وبخاصة مجلس الأمن”.

رأى شريف أن هناك الكثير مما يمكن فعله “بدءًا من التوثيق وبناء الملفات، والتحرّك على الصعيد الدولي عبر استثمار ما هو ممكن ومتاح في تشريعات الدول المتحضرة وبالذات الأوروبية، لرفع الدعاوى أمام محاكمها، كذلك في عقد المؤتمرات المختلفة، وورشات العمل المتخصصة لدراسة هذه الارتكابات، وتعريتها وفضح مرتكبيها واستنهاض كافة القطاعات المجتمعية والإعلامية على وجه الخصوص”.

المحامي موسى الهايس، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية، أكد لـ (جيرون) أن “قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني لم تهمل تنظيم الحماية التي يتمتع بها اللاجئون، وبيان المركز القانوني للاجئ، ولكن المشكلة قد تكمن في عدم تفعيل هذه النصوص القانونية وعدم وجود رادع لمخالفتها، ومن المفترض أن تكون قضية اللاجئين والمعتقلين البند الأول على جدول الوفد المفاوض في مؤتمر أستانا، وذلك بغية مناشدة المجتمع الدولي والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومطالبة المبعوث الأممي للملف السوري ستيفان دي مستورا، وإيفا سفوبودا (مستشارة شؤون المعتقلين الخاصة بالملف السوري)، بتحمل مسؤولياتهم الإنسانية، والأخذ بعين الاعتبار قضية المعتقلين السوريين المنسيين في لبنان، والضغط على الحكومة اللبنانية من أجل احترام المواثيق الدولية الخاصة باللاجئين وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولات الملحقة بها التي عززت حماية المدنيين ومعاملتهم معاملة إنسانية، كما تلزم الدول أطراف النزاع في جميع الأحوال باحترام اللاجئين. وعدم ممارسة أعمال العنف ضد اللاجئين المدنيين أو التعرض لصحتهم أو سلامتهم البدنية أو العقلية”.

وتحدث الهايس عن اتفاقية جنيف موضحًا: “في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الوضع القانوني للاجئ والحماية المقررة له في الباب الثالث منها، الذي تناول بالتنظيم حقوق اللاجئين ووضعهم القانوني، في حالة وجود نزاع مسلح. فقد تطلبت هذه الاتفاقية من الدولة التي تكون طرفًا في نزاع دولي أن تعامل الأشخاص الفارين من دولة معادية على أنهم أجانب لاجئون، ولهم معاملة تفضيلية، والامتناع عن معاملتهم كأجانب أعداء. وعلى ذلك؛ لا يمكن اعتبار الدولة اللبنانية خارج إطار النزاع الدائر في سورية، فقد تدخلت الدولة اللبنانية مرة بفصيل منها مشارك بالحكومة، ومرة بجيشها النظامي بزعم محاربة الإرهاب؛ ما يجعلها محلًا لتطبيق اتفاقية جنيف المذكورة. وفي ظل غياب الرادع في حال مخالفة القانون الدولي الانساني واتفاقية جنيف؛ يبقى المطلوب في هذه الحال والممكن هو مناشدة منظمات المجتمع المدني المحلية في لبنان، وحثها لأخذ دورها، من خلال نقابة المحامين اللبنانية والصليب الأحمر اللبناني، لتوكيل المحامين بغية إجراء تحقيقات قضائية تكشف ملابسات ما حصل، وتجري عمليات الكشف الطبي اللازمة على جثث الضحايا لتقديم المسؤولين إلى القضاء المختص”.

المحامي السوري أحمد الجراح كان له رأي مختلف، حيث قال: “يبدو أن المجتمع الدولي، وكل المنظمات الإنسانية، قد أداروا ظهورهم، تجاه قضايا الشعب السوري. فماذا يستطيع أن يفعل المحامي السوري، إذا لم يكن له أي سند من مجتمعات أو دول تعترف بحقوق الإنسان، وهنا لا يكفي الاعتراف فقط، بل يجب تنفيذ الأحكام والقرارات، والحقيقة أن الكل أجرم بحق الشعب السوري، والكل استثمر بقضيتنا”.

مقالات ذات صلة

إغلاق