تحقيقات وتقارير سياسية

قراءة في نتائج الانتخابات التركية

انتهت جولة الانتخابات الرئاسية والتشريعية التركية عصر الأحد 24/ 6/ 2018، بعد سباق ماراثوني اتسم بالحدّة، من جانب أحزاب المعارضة التي حاولت الاتفاق على مرشح واحد يُمثلها، من أجل زج قدراتها كافة لمنع فوز رجب طيب أردوغان، أو على الأقل الحيلولة دون فوزه من الجولة الأولى، أملًا بالإطاحة به في الجولة الثانية، إلا أن ذلك لم يتحقق بسبب عدم توافقها على الرئيس السابق عبد الله غول، كمرشح جامع في وجه أردوغان؛ ما جعلها تخوض هذه الانتخابات عبر ائتلاف حزبي تحت عنوان (تحالف الأمة) متمثلًا بحزب المعارضة الوازن حزب الشعب الجمهوري (الكمالي)، والحزب (الصالح) بقيادة ميرال أكشنار ذي التوجه القومي والمنشق عن حزب الحركة القومية، وحزب (السعادة) ذي التوجه الإسلامي المحافظ، وحزب الوطن برئاسة دوغو برينتشاك، حيث اتسم خطابها عمومًا بالانفصال عن الواقع التركي والمتغيّرات التي أصابت البلد، خلال عقد ونصف العقد من الزمن؛ حيث كانت تركيا، بسبب الفشل المتكرر لحكوماتها الائتلافية المتعاقبة على الصعد كافة، قد وصلت مع بداية الألفية الجديدة إلى حافة الانهيار والإفلاس، مع دور وظيفي يسيء إلى حجم تركيا وتاريخها، إضافة إلى عزلتها وانغلاقها على الذات.

أما التحالف الثاني الذي أتى تحت مسمى (تحالف الشعب)، وجاء كتحصيل حاصل لتحالف قائم عمليًا منذ سنوات، بين حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية غير المعلنة والنهج الوسطي المتوازن الذي ارتبط اسمه واسم قائده بالتحولات الكبرى التي أصابت تركيا، على كافة الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهشلي (رئيس الحزب القومي اليميني)، حيث تبلّور هذا التحالف أكثر فأكثر، بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قامت أواسط تموز/ يوليو عام 2016، وتأييد حزب بهشلي على العموم للسياسة التي يتبعها أردوغان وحزب العدالة خصوصًا في ما يتعلق بتحقيق معادلة متوازنة بين الشرق والغرب، لتأكيد حضور تركيا وموقعها الجيوسياسي المهم، وكذلك تصدي حكومة الرئيس أردوغان للقوى الانفصالية التي تنشط داخل تركيا وخارجها، بعد أن ثبت أن قوى دولية كبرى تدعمها وتعمل على نسف الاستقرار في تركيا، وتهديد أمنها القومي، وإفشال خططها التنموية التي جعلت تركيا تتصدّر المشهد العالمي، وتحتل موقعًا مهمًا ضمن مجموعة العشرين.

لقد اتسم خطاب المعارضة بنبرة تقليدية تجاوزها الزمن، وبالحدة وشخّصنة الصراع، وجعل أردوغان هدفًا مبتغى، داعية لإسقاطه بذريعة أنه جعل تركيا في حالة من العزلة والقطيعة مع الدول الإقليمية والأوروبية، وتصادم مع الولايات المتحدة، واتهامه بالدكتاتورية وحب الاستئثار بالسلطة، خصوصًا بعد نجاحه في الحصول على التفويض بتفعيل التعديلات الدستورية بحال فوزه.

كان هذا الخطاب مغتربًا عن الواقع حقيقة، ولم يقف عند التأثيرات المهمة التي تركتها مسيرة حكم أردوغان في نفسية الأغلبية من المواطنين الأتراك، وفي واقعهم المادي المُعاش، وللمخاطر الجديّة التي بدأ الشعب التركي يستشعرها إثر مخاضات ثورات الربيع العربي، بينما جاء خطاب تحالف الشعب لصيقًا بهموم المواطنين وأمانيهم باستكمال المشروع التنموي التركي والتركيز على المشاريع الكبرى، وتعزيز دور تركيا إقليمًا وعالميًا ونصرة الشعوب المظلومة ومساندتها والعمل على الانتقال بتركيا إلى مصاف الدول الكبرى، والمباشرة والبدء بتطبيق النظام الرئاسي الذي أقرّه الاستفتاء الشعبي، في 16 نيسان/ أبريل 2017، فور فوز أردوغان حال نجاحه.

بعد معركة حامية الوطيس، جاءت النتائج قريبة من التوقعات التي أجرتها مراكز الاستطلاعات المحايدة، حيث فاز رجب طيب أردوغان بولاية جديدة تمتد إلى عام 2023 بصلاحيات واسعة، بعد تحقيق أغلبية مريحة له في البرلمان (344 نائبًا من أصل 600 عضو) على الرغم من تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي عتبة 10 بالمئة ليحجز لنفسه 67 مقعدًا، كان تحالف الشعب يتمنى أن لا تتحقق.

الانتخابات التي عاشتها تركيا أكدت أصالة تجربتها الديمقراطية، وتجذّرها في الحياة السياسية التركية، وكذلك الإقبال الواسع للمواطنين الذين يحق لهم الانتخاب الذين قاربت نسبة مشاركتهم 90 بالمئة، وكذلك التناغم والسلاسة في آليات إجراء هذه الانتخابات، والالتزام في أدائها والسرعة في إصدار نتائجها دون حوادث تُذكر، كل هذا أكد أن التجربة التركية أضحت مصدر إلهام واعتزاز للشعوب الطامحة إلى بناء دولة المؤسسات والمواطنة والديمقراطية، وعلى الأخص الشعوب العربية التي دفعت الفواتير الباهظة، بعد تفجّر ثوراتها، وعانت من خناجر الغدر المسمومة من قبل دعاة الديمقراطية في الغرب الذي تبيّن أنه يخشى هذه الشعوب إن انتقلت من برزخ الطغيان والاستبداد إلى رحاب المدنية والحرية، ويسعى لتكريس أنظمة القهر والتبعية.

كان الشعب التركي يقظًا ومحترسًا من البروباغندا المعادية له ولوطنه، التي ما فتئت ماكينتها الإعلامية تشتغل على شيطنة تركيا واتهام قيادة حزب العدالة وأردوغان على إحياء النزعة العثمانية بثوب جديد، والحقيقة أن أردوغان يعتز بماضي أجداده، ويتمنى أن تتحالف الشعوب المظلومة من قبل الدول الكبرى، بحلف واسع ينشد التنمية المستدامة والتعاون بين الدول المُفَقّرة والمُخَلّفة، على أسس الاحترام المتبادل والتعاون البنّاء، وذلك للتصدي لهيمنة الدول المتفرعنة والطامعة بمقدرات هذه الشعوب.

يُعتقد أن أردوغان سيُدشّن بعد أيام قليلة الجمهورية التركية الثانية، من خلال فوزه هذا، بعد أن دشّن مداميك جمهوريتها الأولى رائد الاستقلال ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.

مقالات ذات صلة

إغلاق