أدب وفنون

دحية الكـلبي أم جـبرائيل

من يكون دحية الكلبي؟ كيف تم تَسْريدُه في المرويات الإسلامية؟ هل هو شخصية تاريخية أم مجرد نثر أسطوري، اخترعته الذهنية العربية القديمة؟ منذ متى وكيف تقمصته شخصية ملاك الرب جبرائيل؟ هل ثمة مبرر ديني في القرآن يجعلنا نؤمن بتجسد ذلك الملاك وحلوله في شخصية دحية الكلبي؟ ما مصير هذا الكائن النوراني حين يحل في اللحم والدم الآدميين؟ هل فعلا ادعى محمد النبي ذلك؟ ما هي منظوراته التي أدلى بها إزاء الالتباس القائم بين الشخصيتين؟ وإذا كان دحية الكلبي هو نفسه الملاك جبرائيل، كيف له أن يُنزل الوحي على النبي وهو كائن آدمي صرف؟ كيف يعقل أن يدخل جبرائيل المسجد ليشاهده المسلمون في شخصية دحية الكلبي؟ وما المبرر الديني الذي دفعه إلى ذلك؟ هل كان النبي كاذبًا ومخاتلًا ودجالًا، حين أخبر المسلمين داخل ذلك المسجد بتلك القصة، وهم يشاهدون دخول دحية عليهم؟ كيف نفسر الآية التاسعة من سورة الأنعام، ونحن نقرأ ما يلي: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}؟

قد تبدو هذه الأسئلة التي يطرحها كتاب (جبريل والنبي) لصاحبه فاضل الربيعي، صادمة ومربكة إلى حد بعيد، إذ لم تسلط عليها أنظار الباحثين والدارسين من قبل، كما من شأنها الإدلاء بواقعة عظيمة نزلت بالملاك جبرائيل جرته من قداسته السماوية لتجعل منه آدميًا. ابتدأت مأساته منذ نزوله الأرض كي يلتقي النبي محمد، فإذا به يحمل اسمًا بشريا لشخصية ادعت وجودها في التاريخ، بعض المرويات والسرديات الأموية، وامتدت هذه المأساة حين تعرض للعنف والضرب وسلب ملابسه، أثناء حمله هدايا هرقل للنبي. إن هذه المزاعم التي يقدمها بعض من المسلمين الأوائل، هي نفسها التي قدمت شخصية دحية الكلبي كأحد الصحابة، وادعت أن جبرائيل كان يأتي في صورتها الآدمية، كما قدمت صورة عن علاقته بالنبي الذي كان يهرع إلى دحية ويخاطب المسلمين بالقول: “هذا جبرائيل جاء يعلمكم دينكم”!

إن ما يغذي هذه التراجيديا الدينية الأقرب إلى الخرافة، ليس ذلك الالتباس بشأن تلك الآية القرآنية من سورة الأنعام، وتفسيرها القائل بتحول الملاك السماوي إلى بشري، كما ورد مع القرطبي، بل ذلك الانتهاك الجنسي الذي لحق الملاك ومحاولة اغتصابه. لدحض هذا الإحراج الذي طال السردية الإسلامية، لم يجد المتكلمون باسم الإسلام من حلّ، سوى تفسير هذه الواقعة بأن ثمة شبهًا كبيرًا بين دحية الكلبي والملاك جبرائيل، ولكن ألهذا الحد يكون التشابه؟ وهل يعقل أن يكون ثمة آدمي في جمال ملاك سماوي؟ وإذا ما كنا سنسكت عن هذا السؤال، لأن ابن العباس كان يقول بأن دحية “ما إن يظهر في أزقة المدينة، حتى تتسابق الفتيات لرؤيته، فلم تبق معصر –أي على وشك الحيض- إلا خرجت إليه”، فهل من الممكن أن يكون هذا الآدمي حاملًا لنفس الشكل الذي كان عليه جبرائيل، وهو الذي يحمل “ستمئة جناح مزينة بالياقوت والجواهر والذهب. والمسافة ما بين الجناح والآخر خمسمئة عام”؟ وإذا ما كنا سنصدق ذلك أيضًا، فكيف لنا الآن سنصدق أن أزقة تلك المدينة التي يظهر فيها دحية، ستتسع لهذا الحجم المريع والأسطوري؟

سيبدو الأمر بهذا الشكل مجرد تسريد لخرافة من نشأة الخيال؛ إذ الحكاية برمتها لا تستند إلى منطق تاريخي أو علمي واضح، أما تفسيرها دينيًا فلن يتعدى نزول ذلك الملاك إلى الأرض ومن ثمة تجسده في شخصية بشرية؛ حيث رآه المسلمون في صورة دحية الكلبي أثناء معركتهم ضد يهود بني قريظة في الطائف، وهذا -أيضًا- محل التباس وتشكيك. لكن لماذا دحية دون غيره، كان أقرب إلى هذا الملاك؟ ولماذا كان -بالتحديد- تاجرًا من تجار الشام، كما أخبر عنه النبي، ولم يكن منتسبًا إلى قبيلة عربية معروفة من قبل المسلمين آنذاك؟ كيف انتسب دحية الشامي إلى الإسلام، وهذا الدين لم يبرح بقاعه حينها؟ ما علاقته الخفية بالنبي؟ هل أضفى هذا النبي طابع القداسة على دحية الكلبي، من أجل تحالف سياسي ما؟ ألم تقل بعض المرويات الأخرى إن دحية كان يتزعم العديد من الرجال، وبالتالي فمن صالح النبي عقد صفقة معه، كي يكتسب قوة أكبر مما هي عليه في تلك الفترة؟ من المستحيل أن يكون دحية عربيًا كما ذكرت مرويات أخرى، وإلا؛ كيف لم يتعرف إليه المسلمون وهو يدخل مسجدهم، ثم يجلس قرب النبي؟ لماذا تختلف المرويات والمصادر بشأن نسبه وتاريخه؟ وهل حقًا تزوج درة بنت أبي لهب؟ من أين جاء وكيف ولأي غاية؟ ما هي مهمته في لحظة فتور الوحي، ونحن نعلم أن القرآن نزل منجمًا على النبي؟ هل تحرر حينها من جبرائيل الذي حل في جسده؟ ولماذا انتفت أخباره كصحابي، وغاب عن الوجود في فترة حكم معاوية بالذات؟

لقد نظر اليهود إلى جبرائيل، بوصفه ملاك الحرب، لكن ها هو مع الإسلام يتقلد وظيفة أخرى، وهي أنه يأتي من الشام في صورة دحية الكلبي، ثم يشجع على قتال يهود بني قريظة، بعد حادثة الاعتداء عليه، تلك التي تزامنت مع رحلته إلى هرقل محملًا برسالة النبي، وكأن في الأمر إحالة إلى ذلك الانتقال الكبير من “النبي كفكرة يهودية إلى الرسول كفكرة مسيحية”، وبالتالي فإن حضور شخصية دحية الكلبي ما هي إلا تسريد أسطوري عن ذلك الجدل القائم، حول صورة جبرائيل بين الديانات التوحيدية ذاتها.

إن غموضه ذلك، هو ما دعم الشكوك وتعدد الآراء حوله، ومن ثم اكتسابه طابعًا أسطوريًا مدهشًا، جعل البعض يخلط بينه والملاك السماوي، أما ما دعم ذلك فتلك البيئة العربية التي سادتها ذهنية تناصية تحتكم في ثقافتها إلى ثقافات قبائل وأديان وتواريخ وعادات وأساطير مجاورة رفدت عليها. ربما سيصبح ممكنًا الآن القول بأن دحية لم يدخل المسجد إطلاقًا، ولا يمت بصلة إلى ملاك الرب، وربما لا وجود له في التاريخ أبدًا، ولكن مرويات المسلمين أمام “زخم الراسب الثقافي” هي التي دفعتهم إلى اختراع مثل تلك القصص، بل “قاموا بتعديل مهم للغاية على منظومة الرموز الكبرى في أساطير الخصب القديمة”، مثلما تحدث  النص التوراتي من قبل، عن ولادة النبي يوسف بعد أن أكلت أمه راحيل عشبة اللقاح من الحقل: ثمة بهذا الشكل استدعاء لعشبة الخلود مع جلجامش، كما ثمة استدعاء من قبل المسلمين لمرويات سابقة، كنزول الملائكة في صورة بشرية، مثلما حدث مع النبي إبراهيم، وثمة في إعادة تشغيل الأساطير والأديان القديمة نوع من إكسابها مدلولات جديدة، وفق ما اقتضته الشروط السوسيوثقافية.

كثيرة هي السرديات الإسلامية، وهذه واحدة منها تدور حول الملائكة لتطرح إشكالية التجسيد في القرآن وغيره، من الأساطير والأديان التي سبقته. قد تبدو في نظر البعض مجرد غبار كلامي لا نجاعة له ولا فائدة منه، ولكن لماذا ظهرت شخصية دحية الكلبي مع رواة العصر الأموي بالذات؟ وما هي أبعادها السياسية وخلفياتها الفكرية والدينية؟ أسئلة عديدة يمكننا طرحها الآن، إذ من خلالها يمكن إعادة كتابة التاريخ الديني والأسطوري، خارج كل نزعة توظيفية.

مقالات ذات صلة

إغلاق