هموم ثقافية

الشق المزدوج

التدخين في بيت هبة وجهاد ممنوع، لذلك اصطففتُ مع السيدة ديمة حمادة، في الشرفة المطلة على شارع بدارو في بيروت، كانت ديمة عائدة من هولندا حيث تعمل على إنهاء رسالتها لنيل درجة الماجستير، رسالة تبحث في الفن المفاهيمي أو Conceptual Art (أما ما هو الفن المفاهيمي بالضبط، فهذا السؤال يوجه للسيدة ديمة)، ولأنها إنسانة نشيطة، فقد استفادت من وجودها في أمستردام لتخوض ورشة عمل في التمثيل. كان السؤال الأخير في ورشة العمل تلك: هل تستطيع الممثلة أو الممثل أن تمثل ذاتها على خشبة المسرح؟! سؤال تُرِكَت إجابته لكل مشاركة ومشارك، مفتوحة على الاحتمالات.

كانت إجابة ديمة على الشرفة يومها، أنها لم تجد الإجابة بعد، أما إجابتي فكانت أقلّ حكمة: أجل يستطيع، وربما هو أسهل أنواع التمثيل. طبعًا، احتجت إلى أربع سنوات لأعرف أنها إجابة متسرعة، فالإجابة عن هذا السؤال ربما تحتاج أولًا إلى الإجابة عن سؤال آخر: ما هو التمثيل؟! ثم على سؤال أكثر تعقيدًا: من أنا؟! لمعرفة إن كان الإنسان قادرًا على تمثيل نفسه، فعليه أن يعرف ما يمثله! أليس كذلك؟ وهنا هو يمثل “أناه”.

الممثل، حين يمثل شخصية مكتوبة في نص مسرحي، لا يمثل إلا جزءًا من وجود تلك الشخصية أصلًا، وهو الجزء الذي اختار الكاتب ثم المخرج والممثل أن يظهروه. إذن من المستحيل الإحاطة بالشخصية بشكل جامع مانع، هذا إن تحدثنا عن تمثيل شخصية مغايرة لأنا الممثل أو خارجها، ولكن شخصية الإنسان/ الممثل (أناه) أيضًا، متعددة ومعقدة ومتطورة، وثمة جزء منها خافٍ دائمًا، إذن لنحوّر السؤال قليلًا: هل يستطيع الإنسان أن يمثل جزءًا من أناه على الخشبة؟ هل يمكن للإنسان أن يكون “طبيعيًا” تمامًا أمام عينٍ مشاهِدة؟!

تخيلي فقط، وأنت تقرأين هذه الكلمات، أن أحدهم يتلصص عليك الآن، عبر كاميرا اللابتوب أو الموبايل!

في الفيزياء الكمّية، تجربة شهيرة تدعى “الشق المزدوج” خلاصتها: الإلكترون جسيم مادي يتصرف كجسيم مادي، هذا ما كان سائدًا بين الفيزيائيين، ولكن تجربة الشق المزدوج أثبتت أن الإلكترون يتصرف كجسيم مادي وكموجة أيضًا (موجة غير مادية). غريبٌ! أعرف، ولكن الأغرب هو علاقة الإلكترون بالتمثيل، فحين وضع العلماء إياهم جهازًا لمراقبة الإلكترون، كي يفهموا كيف يفعل ذلك، تصرف الإلكترون كجسيم فقط. أي كما كان العلماء يعتقدون أنه سيتصرف قبل التجربة. هل شعر أنه مراقب؟ هل يفكر الإلكترون؟ ألا يشبه الإنسان الذي يغير سلوكه، بمجرد تعرضه للمراقبة؟ هل الإلكترون ممثل؟!

ربما يخطر في البال هنا مقارنة مع نوع آخر من الظهور على الخشبة: الموسيقيون، المحاضرون، الشعراء، الإنسان الممثل نفسه حين يستضاف على خشبة ما، لإجراء مقابلة. وربما -كذلك- المقابلات التي نشاهدها في الأفلام التسجيلة أو على شاشة التلفاز. هل يعتبر هذا تمثيلًا؟ هنا توجد عين خارجية تراقب أيضًا! لماذا إذن لا نشعر أن ديفيد جيلمور David Gilmour يمثل، وهو يتماهى مع موسيقاه أثناء أغنية ما؟ لماذا تبدو شخصيات الأفلام الوثائقية طبيعية في حديثها أمام الكاميرا؟

هذان السؤالان يعيداننا ربما إلى السؤال الأول: ما هو التمثيل؟

ما أعرفه عن مدارس وتنظيرات التمثيل أنها تُجمع على شيء واحد بخصوص التمثيل: هو فعل واعٍ يعاد أمام أفراد الجمهور. وهذا ينطبق على طبيعية أنطوان وواقعية ستانيسلافسكي (المفترضة)، كما ينطبق على “بلاستيكية” ميرخولد وجيستوس وبريخت، وعلى النو الياباني، وأوبرا بكين، وغيرها من أساليب الأداء المسرحي.

والوعي المقصود هنا هو أن الممثل يعي ما يقوم به والهدف منه. كل فعل وكل جملة وكل صمت على الخشبة، قد يبدو عفويًا، ولكنه في الحقيقة نتيجة تفكيك الشخصية وإعادة بنائها وبناء أفعالها ومشاعرها، للوصول إلى هدف تلك الشخصية الذي يصب في هدف العرض المسرحي، أي أن الممثل يعي الشخصية ودوافعها وأشكال تعبيرها. والإنسان في الحياة، إن اكتوى بالنار يبعد يده مباشرة دون تفكير، وإن سقطت من يده كأس كريستالية، يرقص أغرب أشكال الرقص، دون تفكير أيضًا، على أمل التقاطها قبل أن ترتطم بالأرض. أما الممثل فهو يعرف أنه في هذه اللحظة سيكوي يد الشخصية بالنار، وأنه سيسقط كأس الكريستال، بالتالي هو يعي فعله.

جميل! ولكن، إذا كان التمثيل هو إعادة لفعل بشكل واعٍ (بغض النظر عن أسلوب الإعادة تلك، واقعيًا كان أم مؤسلبًا)؛ فهل يستطيع الإنسان إعادة فعله الشخصي نفسه أمام الجمهور؟ بل حتى أمام المرآة؟ وإن فعل ذلك، فهل يكون هو نفسه كما هو الآن هنا؟ أم إنه يمثل تجربته ذاتها، لكن بعد أن انقضت؟ بالتالي، هو لا يمثل ذاته، بل شخصية أخرى كانها من قبل، ولم تعد موجودة الآن هنا.

ارتدى ثيابه فجأة، خرج من البيت، أشّر للسرفيس، واتجه إلى أقرب مسرح، جمع بعض المتفرجين، ها هو يصعد على الخشبة، ويقف ليعلن أنه سيمثل ذاته. ماذا سيفعل أو يقول بعد ذلك؟!

أعتقد أني بدأت أصبح حكيمًا مثل ديمة، على الرغم من أنني لا أعرف ما هو الفن المفاهيمي بعد، فذلك يحتاج إلى المزيد من الحكمة.

* اللوحة للفنان السوري بهرم حاجو

مقالات ذات صلة

إغلاق