مقالات الرأي

هزيمة الثورة وبداية السياسة

وصل النظام السوري إلى الحدود الأردنية الإسرائيلية. المعطى هذا طرح قضية الانتقال من الصراع المسلح إلى السياسي مجدّدًا. إدلب خارج هذه الفرضية؛ فهي محكومة بهيئة تحرير الشام الجهادية “النصرة”، والمناطق التي تحت سيطرة الأميركيين والأتراك لا تُسحب على المناطق “المحرّرة”. درعا كانت آخر تلك المناطق، وهي آخر منطقة يمكن القول إنها من بقايا الثورة الشعبية لعام 2011. نعم، قد نختلف في تحليل ما كانت عليه الغوطة الشرقية قبل سقوطها منذ أشهر، وكذلك حول ريف حمص الشمالي أو بلدات القلمون، ولكن بقاءها “مستقلة ومحررة”، كان يقول إنها ما تزال محسوبة على الثورة. رفضُ كل ذلك، واعتبار أن الثورة انتهت بسيطرة الفصائل والعمل العسكري عليها، ولا سيما مع سيطرة الفصائل الإسلامية، وأن الأمر كذلك منذ نهاية 2012، فيه تعسفٌ ومغالاة ليس سليمة، يمكننا القول إن سيطرة المعارضة السابقة عن 2011 على الثورة، هو مؤشر لنهايتها كذلك! الأفكار السابقة هذه تتجاهل الواقع، وهو أن الأرض المحرّرة هي كل منطقة ليست تحت حكم النظام أو حكم دول أخرى على الأرض السورية. القول إنها كانت تحت سيطرة قوى تابعة للخارج، هو أيضًا لا يغير من كونها مستقلة عن النظام، وكان فيها إمكانات ثورية، ولو كانت هامشية وهزيلة.

لكل ما تقدم أقول، مع عودة درعا للنظام بالتحديد، وكذلك قبلها الغوطة والقلمون وريف حمص الشمالي، فإن الثورة، كما كانت وبقاياها، قد انهزمت، وصار لا بدّ من فهم الواقع الجديد. فما هو؟

إذًا، الثورة، بوجهيها السلمي والعسكري، هُزمت، وبسقوط درعا يتشكل واقعٌ جديدٌ. درعا سقطت بواسطة الروس، وبنيران طيرانهم، وعبر مفاوضيهم، والآن روسيا تشرف على تلك المدينة وعلى الحدود كذلك. النظام هنا لم ينتصر بمفرده، بل بمساعدة حلفائه، والأدق أصبح النظام أداة بيد حلفائه. والسؤال الإقليمي والدولي عن الوضع السوري يتحدّد بالقول: ما هي الصفقة التي سهلت سقوط المدينة، وهل سيكون مقابل ذلك خروج إيران من سورية وإعطاء سورية لمصلحة الروس، والصمت عن احتلال روسيا لجزيرة القرم وتخفيف العقوبات عنها. السوريون الموالون يشعرون بوهم الانتصار، والمعارضون يشعرون بهزيمة حقيقية، وهم صائبون، فبلداتهم مدمرة، وهناك أكثر من 11 مليون سوري مهجّر ونازح، ولم يُعرف مصير معتقليهم وقتلاهم، وأفلست وتعطلت كل المؤتمرات واللقاءات والقرارات الدولية التي كانت تستهدف تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات.

ما يلفت الانتباه هو محاولة قراءة كثير من كُتاب “المعارضة” للواقع الجديد، ويرون أن المهمة الأساسية الآن هي الانتقال للعمل السياسي، أي بعد أن حُيّد الشعب، وخسرت الفصائل، لم يعد أمام ساسة سورية إلا العمل السياسي. ولكن السؤال: كيف سيتحقق ذلك؟ أين سينشط السياسيون السوريين ليعيدوا تشكيل قواهم الشعبية، ليتمكنوا مجدّدًا من تشكيل دولتهم أو لنقل إثبات وجودهم وخوض الصراع السياسي!

مجدّدًا نسأل: ما هو الواقع السوري الجديد؟ إنّه يتشكل من نظامٍ تحوّل إلى أداةٍ سياسية لصالح روسيا وإيران، وشعب مهجّر، ومعارضة مهزومة وأغلبيتها في الخارج؛ وشروط اقتصادية واجتماعية كارثية، وتشدّد أمني يمسك برقاب الناس؛ وعدا كل ذلك، فإن شعور الهزيمة يتضمن رغبة في الاستسلام والصمت وعودة الخوف مجدّدًا، ورغبة أكيدة نحو الاعتراف بالنظام “الأداة”. هنا القضية الإشكالية؛ فهناك احتلال وليس هناك “شعب ثائر”، وبالتالي هناك تسليم لدى المعارضة أو الفاعليين المعارضين بأن الوضع السوري تتحكّم فيه روسيا وإيران، ولن يكون له نهاية إلا بتوافق الحلف هذا مع بقية الدول الفاعلة في الشأن السوري. الإشكالية هنا، فإذا كانت هناك صفقات دولية؛ حيث سورية لروسيا، ويجب إخراج إيران والصمت عن جزيرة القرم، وربما تخفيف العقوبات عن روسيا؛ فإن روسيا “وحدها” تصبح المتحكمة في الشأن السوري، وليس من صفقة دولية، تُغيّر في طبيعة النظام، أو تنصف الشعب.

هناك رأي له سيادة مؤخرًا، وهو قديم كذلك، ويقول لن يكون في سورية إعادة إعمارٍ، أو توافق أوروبي مع روسيا ودول أخرى دون تغييرات في النظام، أي التضحية بقيادته الأساسية، لتكون التسوية ممكنة. هذا الرأي يؤكد أن النظام لا يعني لروسيا ولإيران أكثر من ورقة للتفاوض مع الدول وفقًا للمصالح. لا شك أن هذه الفكرة مهمة، وربما تكون مطروحة فعلًا في اللقاءات الدولية حول سورية، ولكن أين إعادة الإعمار في العراق أو أفغانستان أو دول كثيرة. هناك إشكالية معقدة هنا؛ فالدول لم تعد مهتمّة بإعادة الإعمار، وفقًا لمشروع مارشال الذي نهض بأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وتتحول دولنا المتخلفة إلى مجرد أسواق للدول أو مناطق لاستخراج الموارد الأولية وتقاسمها. النزعة الانكفائية الأميركية لا تعني، بحالٍ من الأحوال، تخليًا أميركيًا عن مناطق سيطرتهم على العالم. قصدت هنا، ربما من أكبر الأخطاء أن تسود الأوهام بين السوريين مجددًا، والقول إن عودة الصراع السياسي مسألة وقت في سورية، وسيكون لهزيمة الفصائل دورٌ في تسريع ذلك.

قلنا إن سورية أصبحت محتلة بعقود موقّعة! وهي منطقة لتبادل النفوذ العالمي واقتسام العالم، فهل يعقل أن تكون حكايا إعادة الإعمار أكثر من أكذوبة لتسهيل الاحتلال؟ هناك مشكلة في هذا الطرح، فهو يقلّل من شأن الاحتلال والسيطرة على العالم، كما تطرح روسيا وأميركا والصين خاصة. لو صحّ رأينا هذا، لأصبح من الضرورة طرح كيفية خوض الصراع الوطني والطبقي خارجيًا وداخليًا، وكيف يمكن حشد الشعب نحو معركة التحرر والحرية مجدّدًا.

لا شكّ في صحة القول بأن لن يكون هناك سياسة في سورية، قبل إزالة الشخصيات الأساسية في النظام الحالي، كما تشير وثيقة جديدة طرحها بعض المثقفين السوريين بعنوان “وثيقة فكرية سياسية حول واقع ومستقبل سورية”، ويصرون على ضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات مجددًا، ووفقًا للقرارات الدولية التي صدرت عن سورية بين 2011 و2018، ولكن السؤال كيف سيتم ذلك؟

أخيرًا، ربما تشكّل الخلافات الدولية والإقليمية بخصوص سورية سببًا لمساومات معقدة بينها، وتعطي المعارضة والنظام حصصًا معينة لتسيير الوضع السوري، وفقًا لمصالح تلك القوى. هذا الممكن روسيًّا وخارجيًا كما أعتقد، وبالتالي يصبح على السوريين إعادة قراءة كل المشهد السوري، ليتمكنوا من خوض صراع وطني وطبقي، داخلي وخارجي، بعيدًا من الوقائع الحالية المسيطرة التي لا تفيد إلا بخدمة سيطرة الاحتلال الروسي على سورية، وبنسف القرارات الدولية الخاصة في سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق