قضايا المجتمع

اللاجئون السوريون وعوائق الاندماج في المجتمعات المضيفة

لم تفلح السنوات التي قضاها اللاجئون السوريون، في تركيا أو في الدول الأوروبية، في تحقيق حالة جيدة من الاندماج مع المجتمعات المضيفة لهم. حيث بقيت حالات الاندماج فردية ومحدودة، باستثناء الأطفال وطلبة المدارس، لأنهم الأقدر على تعلم اللغة وتقبّل ثقافة البلد المضيف.

ولا شك أن اللغة هي من الحواجز التي يصطدم بها اللاجئون السوريون، على الرغم من أن الكثير منهم يقيم، منذ أكثر من ثلاث سنوات، في البلد الذي لجأ إليه. وهذا يشبه، إلى حدٍّ ما، حال بعض السوريين المقيمين في تركيا منذ مدة طويلة، لكنهم حتى الآن لا يتقنون اللغة التركية.

هبة ربّة منزل سورية مقيمة في ولاية غازي عنتاب جنوب تركيا، منذ عام 2014، وهي تتقن بضع كلمات بسيطة باللغة التركية فقط. تقول لـ (جيرون): “منذ مجيئي مع عائلة زوجي إلى هنا، أقمنا في حيّ يقطن فيه سوريون، ومع ازدياد أعداد اللاجئين، أصبحت كل تعاملاتي تنحصر بالسوريين فقط، فالجيران سوريون، وصاحب محلّ البقالة سوري، لذا لم أجد أني مضطرة إلى تعلم اللغة التركية، لأنني لا أتعامل مع الأتراك”.

لكن هبة تعترف بأن هناك مواقف جعلتها تشعر بأهمية إتقان اللغة التركية، خاصة عندما قضى طفلها أسبوعًا في مشفى الدولة، وكانت تجد صعوبة في التواصل مع الأطباء؛ ما اضطرها إلى الاستعانة بمترجم يتقاضى 50 ليرة تركية، مقابل كل ساعة عمل.

أما في أوروبا فالوضع مختلف، حيث إن تعلّم اللغة إلزامي بالنسبة إلى اللاجئين، ففي معظم الدول الأوروبية يُفرض على اللاجئ، من بعد حصوله على الإقامة طبعًا، الالتحاق بـ “دورة اندماج”، يتعلم من خلالها لغة البلد المقيم فيها، إضافة إلى بعض التوجيهات التي تساعده في فهم طبيعة المجتمع الجديد، وإذا لم يلتحق بدورة تعليم اللغة؛ فسوف يتم إيقاف صرف تعويضاته المالية الشهرية.

محمد قطيني، لاجئ سوري في السويد، تحدث إلى (جيرون) قائلًا: “تعلّم اللغة هو المفتاح لدخول سوق العمل، ومن دون ذلك؛ لن يتحقق مفهوم الاندماج، ولكن معظم اللاجئين يلتحقون بدورات اللغة، من أجل الحصول على التعويضات المادية فقط، وليس رغبةً في الاندماج ضمن المجتمعات المقيمين فيها”.

يشبّه محمد أوضاع السوريين في السويد بحالة نظرائهم في تركيا؛ فكما صنع السوريون في تركيا مجتمعًا منعزلًا عن المجتمع التركي، يحاول بعض السوريين تكرار الحالة، فهم “قليلو الاحتكاك بسكان البلد الأصليين، بل إنهم لا يحتكون إلا بحسب ما تقتضي الحاجة فقط، ويفضلون التعامل مع اللاجئين من جنسيات عربية، كالعراق واليمن، أكثر من الانخراط في المجتمع السويدي”.

تتفق نبيلة، وهي لاجئة في الدنمارك، مع محمد، من حيث الدافع لتعلم اللغة لدى بعض السوريين، وتقول لـ (جيرون): “في الدنمارك، يتم اقتطاع جزء من الراتب، عند غياب اللاجئ عن دروس تعلم اللغة، وفي حال تكرار الأمر أو الغياب النهائي، يتم إيقاف صرف الراتب الشهري، حتى يعود اللاجئ إلى الالتحاق بصفوف التعليم”. وتضيف: “لولا ذلك؛ لما اهتم كثير من اللاجئين السوريين بتعلم اللغة الدنماركية”.

إيجاد فرص عمل مناسبة هو دافع آخر لإلزامية تعلم اللغة بالنسبة إلى السوريين في أوروبا، ولكن هذا الدافع يصطدم، لدى البعض، بصعوبات الحصول على الفرصة الملائمة لمؤهلاتهم، لا سيّما أولئك الذين لا يملكون أوراقًا رسمية أو صور مصدّقة عن شهادتهم الجامعية.

تقول نبيلة في هذا الخصوص: “يقوم مكتب اللاجئين بتقييم المستوى التعليمي للاجئ، بعد حصوله على الإقامة، وذلك من أجل إيجاد العمل المناسب له، ضمن ما يسمى هناك، بـ (برنامج التشغيل من أجل الاندماج)”.

وتضيف لـ (جيرون): “لكوني محامية، ولديّ أوراق رسمية تثبت ذلك من جامعة حلب إضافة إلى كشف علامات مصدّق، فضلًا عن إتقاني اللغة الدنماركية؛ أحظى بفرصة أفضل من غيري ضمن (برنامج التشغيل)، وقد تم تكليفي بالعمل كمترجمة للاجئين الوافدين في مراكز الإيواء، ولكن هناك الكثير ممن أعرفهم، من حملة الشهادات الجامعية غير أنهم لا يملكون أوراقًا تثبت ذلك، يتم تشغيلهم في أماكن لا تناسب مؤهلاتهم كمحال البقالة أو المطاعم وما شابه، لأنهم في نظر الحكومة الدنماركية غير مؤهلين، علميًا”.

عدم توفر الشهادة الجامعية لدى البعض شكّل عائقًا أمام رغبتهم في استكمال تعليمهم في البلد المستضيف؛ ما ولّد حالة من الشعور بعدم جدوى الاندماج في مجتمعٍ، لا يستطيعون فيه تحقيق ذاتهم ورغباتهم.

حسن حاج عثمان، لاجئ سوري مقيم في ألمانيا، يحمل إجازة في الاقتصاد من جامعة دمشق، جاء إلى برلين في منتصف عام 2015، وتعلم اللغة الألمانية، وأصبح لديه القدرة على الالتحاق بالجامعة، غير أن طموحه في استكمال تحصيله العلمي، في شهادة الماجستير، لم يتحقق بسبب عدم وجود شهادته الجامعية معه.

يقول حسن لـ (جيرون): “كنت أتمنى أن أتابع دراستي في ألمانيا، لأتمكن من الحصول على مستقبل أفضل، وأكون فردًا فاعلًا في المجتمع بطريقة تلائم إمكاناتي، وأيضًا حتى أتمكن من مساعدة أهلي الذين يقيمون في سورية حتى الآن، لكن الحال انتهى بي إلى العمل في مكتبة حكومية، أسلّم وأستلم الكتب من الزائرين وفقط”.

المختص النفسي سلام بشارة يرى أن الحالة التي يعيشها اللاجئون السوريون، سواء في تركيا ودول الجوار أو أوروبا، متخبطة نفسيًا لأسباب متعددة، يوضحها خلال حديثه إلى (جيرون) قائلًا: “معظم اللاجئين اضطروا إلى الخروج من بلدهم، وغالبًا لم يكن لديهم خيار انتقاء المكان الذي يذهبون إليه، ووجدوا أنفسهم فجأة في مجتمعات غريبة عنهم، وهذا من شأنه أن يولّد حالة من التخبط النفسي التي قد تصل إلى مرحلة الرفض للواقع الجديد، إضافة إلى الناحية العاطفية لدى الكثيرين، وتعلقهم بفكرة أنهم سيعودون إلى سورية بعد فترة؛ ما يجعلهم رافضين لفكرة الاندماج في المجتمع الجديد، على الرغم من أنهم يعيشون في بيئة آمنة خالية من الحروب”.

مقالات ذات صلة

إغلاق