تحقيقات وتقارير سياسية

جنوب سورية.. تفاصيل المفاوضات وتشريح لورقة الاتفاق

بعد بدء الحملة الروسية الأخيرة على الجنوب السوري؛ تم استدعاء بعض القادة الميدانين إلى الأردن، من أجل لقاء المفاوض الروسي، وبعد انتظار دام أربعة أيام في الأردن؛ أخبر الطرف الروسي القادةَ بأن المفاوضات ستكون في سورية، في المعبر الجمركي في اليوم التالي، وكانت مدينة بصر الحرير قد سقطت في أثناء تواجد القادة في الأردن. ومساء الخميس، عاد جميع القادة إلى سورية، وتم اللقاء يوم الجمعة ليخبر الروس الطرفَ السوري بأن المفاوضات ستتم في بصرى الشام، وفي يوم السبت، عقد الاجتماع، وتمّ فيه إبلاغ (الجيش الحر) بأن عليه تسليم كافة أسلحته، خلال ثلاث ساعات ونصف، وتسليم لوائح اسمية بأسماء كافة مقاتلي (الجيش الحر)، كي تتم محاكمتهم، وهذا ما شكّل صدمةً لبعض المفاوضين الذين لا يمتلكون أي خبرة سابقة في مجال التفاوض، وظنّوا أن الطرف الروسي جادٌ في الطلب، وهم لا يعلمون أن من الطبيعي أن يبدأ الروس من أعلى سقف، وفي هذه الجلسة -بحسب أحد الحضور- لم يُسمح لأي شخص من الفريق المفاوض في (الجيش الحر)، بأن يُبدي رأيه، وقد غادر البعض قبل نهاية الاجتماع؛ ما حدا بالوفد الروسي الذي تناول طعام الغداء في بصرى إلى تأجيل المفاوضات، حتى صباح يوم الأحد.

تم الاجتماع في اليوم التالي، وغاب عنه ممثل المجتمع المدني، وفي هذا الاجتماع تم تسليم وفد (الجيش الحر) صيغة اتفاقٍ، وافق عليه قائد (فرقة شباب السنة)، بينما حمل نصه باقي الوفد المفاوض لاستشارة من يمثلون من الفصائل، وبُعيد انتهاء الاجتماع؛ نشرت وسائل إعلام (حزب الله) والنظام السوري خبرًا مفاده: “استسلام الجنوب السوري، من خلال اتفاق أنجزه الفريق الروسي، وممثلة النظام السوري كنانة حويجة”، حيث كانت هي الشخص الوحيد الذي يمثل النظام، وسرعان ما انتشر الخبر في الشارع الجنوبي، بين مُصدّق للنبأ ومُكذّب له.

غاب جميع قادة الجنوب عن الساحة، ولَم يقم أيٌّ منهم بإصدار أَي تصريح يشرح للشارع ما الذي حصل، وهل كانت وسائل إعلام النظام كاذبة أو صادقة، وكثرت الشائعات وازداد اللغط، حتى أصدرت صباح اليوم (الاثنين) القوى المدنية في محافظة درعا، ممثلة بالناطق باسمها المحامي عدنان المسالمة، بيانًا رفضت من خلاله بنودَ الاتفاق، ودعت إلى النفير العام لمواجهة الاحتلال الروسي، بكل الوسائل المتاحة.

وهذا نص الاتفاق:

1- وقف إطلاق نار فوري وشامل.

2- البدء بتسليم السلاح الثقيل ابتداءً من اليوم.

3- عودة الأهالي إلى القرى والبلدات التي لا يتواجد فيها الجيش بصورة طبيعيَّة، وعودة الأهالي إلى القرى التي يتواجد فيها الجيش، برفقة الشرطة العسكرية الروسية والهلال الأحمر، وبضمانة من الشرطة العسكرية الروسية لسلامة الأهالي.

4- البدء بتسليم السلاح المتوسط في المناطق المشمولة بوقف إطلاق النار.

5- تسوية أوضاع أهالي المناطق المشمولة بوقف إطلاق النار.

6- توزيع نقاط التسوية جغرافيًا، حسب الحاجة ضمن آلية متفق عليها.

7- رفع العلم السوري بالتزامن مع دخول مؤسسات الدولة المدنية.

8- المقاتلون الذين يسوون أوضاعهم ويرغبون في قتال الدواعش ينتسبون إلى فيلق الاقتحام وبالدرجة الأولى في المنطقة الجنوبية.

9- تسوية أوضاع المنشقين والمطلوبين للخدمة الإلزامية، وإعطائهم تأجيلًا لمدة 6 أشهر.

10- العمل على عودة جميع الموظفين إلى وظائفهم الحكومية.

11- حل مشكلة المعتقلين والمخطوفين ضمن مجموعة أستانا، وتبادل جثث القتلى من الطرفين.

12- يشمل هذا الاتفاق المنطقة من درعا غربًا حتى بلدة صماد شرقًا، ومن بصر الحرير شمالًا حتى الحدود الأردنية جنوبًا.

13- الضامن لهذا الاتفاق هو الجانب الروسي.

نلاحظ أن الاتفاق لم يذكر أسماء كلا الوفدين: الجيش الحر والنظام، وقفز إلى الفقرة الأولى التي تنص على وقف إطلاق نار فوري وشامل، ولَم يُحدد الحيّز الجغرافي الذي سيسري فيه وقف إطلاق النار، حيث استمرت الطائرات الروسية في غاراتها على كثير من المدن والبلدات.

في الفقرة الثانية، تم تسليم دبابة وعربة (بي إم بي)، مساء الأمس، للجانب الروسي، تحت عنوان بادرة حسن نية، وتم تبادل للجثث.

في الفقرة الثالثة، عودة الأهالي للقرى التي لا يتواجد فيها الجيش، وهذا أمرٌ طبيعي، ولا نعلم لماذا نص عليه الاتفاق! أما القرى التي يتواجد فيها الجيش؛ فالعودة ستكون بمرافقة الشرطة العسكرية السورية والهلال الأحمر.

الفقرة الرابعة تنص على البدء بتسليم السلاح المتوسط، وكان يمكن ضمها إلى الفقرة الثانية، ولا نعلم لماذا تمّ ذكر السلاح الثقيل والمتوسط، كلًا على حدة، طالما أن المطلوب التسليم الفوري لكلا السلاحين!

الفقرة الخامسة تنص على تسوية وضع الأهالي! أي السكان المدنيين، ولكن ما المقصود بتسوية أوضاع الأهالي؟

الفقرة السادسة تنص على توزيع نقاط التسوية، ولكن من هو الطرف الذي سيقوم بالتسوية؟ الشرطة العسكرية الروسية أم المخابرات السورية؟ وما هي الآليات التي سيقف عليها، وهل سيتم الاتفاق عليها بعد تسليم السلاح الثقيل أم قبله؟

الفقرة السابعة تنص على رفع علم النظام السوري، وهو إشعار بعودة هذه المنطقة إلى حكم وسيطرة النظام.

الفقرة الثامنة تنص على أن المقاتلين الذين يسوّون أوضاعهم ويرغبون في قتال (داعش)، عليهم الانتساب إلى فيلق الاقتحام! ولا أحد يعرف لمن يتبع هذا الفيلق، إلى النظام السوري أم إلى روسيا، وما هي قانونية وجود هذا التشكيل؟ هل هو ميليشيا أم وحدة عسكرية؟ ثم ما هو وضع من لا يرغبون في قتال (داعش)؟! وفي ختام الفقرة توجد عبارة “بالدرجة الأولى في المنطقة الجنوبية”، وهذا يطرح فرضية أن يكون هناك درجة ثانية في مكان آخر غير الجنوب.

في الفقرة العاشرة، العمل على عودة الموظفين! فما المقصود بكلمة “العمل”؟ وهي كلمة فضفاضة ولا تحمل شكلًا قانونيًا.

الفقرة الحادية عشرة فيها عبارة “حل مشكلة”، وهي عبارة غير أخلاقية، والأصح القول إطلاق سراح وليس حل مشكلة، ومن ثم تحويل هذه المأساة إلى ثلاجة أستانا التي لم تُفلح في إطلاق سراح معتقل واحد، على مدار عشر جولات تفاوضية، بمعنى أن إطلاق سراح المعتقلين أمر متروك لرغبة النظام وإرادته.

الفقرة الثانية عشرة، وهي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وهي تنص على أن هذا الاتفاق يشمل منطقة شرق درعا، ويستبعد غربها، وهو ما أثار استياء الشارع الجنوبي، كونه يساعد النظام على تقسيم المنطقة إلى مناطق، والاستفراد بكل منطقة على حدة.

الوضع الحالي يكتنفه الغموض والضبابية، بانتظار جلاء الموقف في الساحة الجنوبية.

مقالات ذات صلة

إغلاق