هموم ثقافية

القصة القصيرة جدًا، النشأة ومكر اللغة

هل كان أرنست همنغواي يدري، حين كتب قصة من ست كلمات “للبيع، حذاء طفل، لم يلبس قط”، في عشرينيات القرن الماضي؛ أنه قد فتح الباب لإضافة جنس سردي جديد إلى أجناس الأدب السردي السائدة آنذاك، وأنّ قصته هذه وشهرة الكاتب معًا، قد لفتت الأنظار إلى ما ينطوي عليه السرد من ديناميات للتجدد والابتكار، والدفع بنماذج أخرى مفارقة للأجناس السردية المعروفة آنذاك؛ إذ لم تلبث الفرنسية أناتولي ساروت، أن نشرت نصوصًا سردية قصيرة بعنوان (انفعالات)، ثمّ كتب فريدريك براون عام 1948 قصة اعتبرت أقصر قصة رعب في حينها، وقد جاء فيها: “جلس آخر رجل موجود على الأرض وحيدًا في حجرة، ثم سمع طرقًا على الباب”. وتوالت الكتابات في الآداب الغربية، حتى استقرت لهذا الجنس خصائصه الفنية، واعتبر جنسًا أدبيًا مستحدثًا ومستقلًا.

أما عندنا، فقد شكلت ترجمة المصري فتحي العشري لمجموعة (انفعالات) إلى العربية عام 1971، إيذانًا بولادة هذا الجنس وذيوعه، تحت مصطلح (القصة القصيرة جدًا) أو (القصة الومضة) في المجلات والصحف العربية آنذاك. وقد أعقب هذه الترجمة إصدارات لكل من وليد إخلاصي (الدهشة في العيون) وزكريا تامر، لكنّ زكريا (أسطورة القصة حينذاك)، لم يخصّ هذا النوع بمجموعة مستقلة، وكأني به، كغيره من كتاب تلك الفترة الزمنية المبكرة، لم يركزوا اهتمامهم على عناصر خاصة لنموذج مستقل فنيًا وتعبيريًا، فاقتصروا على الشكل المختصر وعدد كلمات محددة، ولم يعتبرها جنسًا مغايرًا، فمن خلال تتبع قصته (في انتظار امرأة): “ولد فارس المواز بغير رأس، فبكت أمه، وشهق الطبيب مذعورًا، والتصق أبوه بالحائط خجلًا وتشّتتت الممرضات في أروقة المستشفى. ولم يمت فارس كما توقع له الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتذمر ولا يشتغل؛ فحسده كثيرون من الناس، وقالوا عليه أنه ربح أكثر مما خسر. ولم يكفّ فارس عن انتظار امرأة تولد بلا رأس حتى يتلاقيا، وينتجا نوعًا جديدًا من البشر، آملًا ألا يطول انتظاره”. نجد نوعًا من السوريالية، المخترقة حدود الممكن والواقعي، لكنه لم يشأ النظر إليها كنوع خاص من السرد. بينما أفرد محمود شقير في مجموعته (طقوس للمرأة الشقية) عام 1986 أربعًا وثمانين قصة قصيرة جدًا.

ولكن الانتشار الأهم والأغزر لهذا الجنس الوليد، كان في العقد الأخير من القرن الماضي، حيث أستأنسته الأوساط الأدبية، وتوافقت على تصنيفه، كنوع خاص في دائرة الأدب السردي، وتخصيصه بهوية وكيان مستقلين، عن أجناس يتقاطع أو يتداخل معها، ولا سيما قصيدة النثر. فلقد أربكت طبيعته الماكرة والمراوغة كثيرًا من الكتاب، وأغوت آخرين بدخول التجربة، فبدا لهم جنسًا متشاوفًا رقراقًا سلسًا، فما إن عاينوه حتى اكتشفوا أنّ سلاسته الظاهرة تخفي غورًا عميقًا ومسلكا وعرًا، كان قد أشار إليه الناقد توماس بيرنز، من خلال تحديده لبعض الاشتراطات والضرورات التي يجب توفرها فيه، بقوله: “ضرورة أن تكون العقدة يسيرة ومباشرة، في عرض بليغ، ورسم الشخصيات موجزًا، محكما، مقيدًا بفحوى”. وهذا يعني أنه يتضمن العناصر الأساسية للقصة، بينما ذهب الدكتور جابر عصفور إلى تأكيد صعوبة الكتابة في هذا الجنس الأدبي، بقوله: “فن صعب لا يبرع فيه سوى الأكفاء من الكتاب القادرين على اقتناص اللحظة العابرة، قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة، وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه”. وبغضّ النظر عن عمومية التعابير في قوله (اقتناص اللحظة العابرة وتثبيتها للتأمل، والكشف عن إشعاعاتها الدلالية المتعددة) أشير إلى اعتبارهم القصة القصيرة جدًا (سردية نثرية بتقنيات مختلفة، دأبها ضغط الفكرة وتكثيفها في نسق تعبيري/ فني، محققًا أقصى إمكانات الصعود باللغة، إلى سبك لغوي موجز وراق، يعبر عن نضج الفكرة وتجليها، مشفوفة بشيء من غموض الطبع ورمزية الإشارة واللمح، وتعدد مناحي التأويل، وأن تقلّ عدد كلماتها عن مئة كلمة، والتوزيع الهندسي لموضعها على بياض الصفحة تشبّهًا لها بالشعر الحداثي، بما يتعدّى حدود التعبير اللغوي البلاغي، إلى استعارة الألوان والإيقاعات اللونية والسمعية وإيقاع الفكرة؛ لذا كان لتمتع الكاتب برهافة الإحساس البصري والسمعي والحدس الاستشرافي أهمية كبرى، عند من يتصدى لهذا النوع من الكتابة، السائرة على تخوم الشعر في سياقات، تستشرف الحلم وحدوسه وعوالم السرد وآفاقه، بما تملكه من قدرة ذاتية عصرية، على اكتناه الوعي باللحظة، في عصر حررت ثورة المعلومات والاتصالات ثبوتية الشعور بزمن عليل متثاقل، واستبدلته بزمن مستلب الشخصية مأزومها، في لحظة تجادلها الوجودي، حيث جاء هذا الوليد ابن متساوقًا ومختصرًا عن حاجة أهله.

(ق. ق. ج) بهذا المعنى، هي الفنّ الأحدث الذي ينفتح على آفاق واسعة للدلالة والرمز والتأويل، وهي تقوم على حركتين رئيستين، هما: الحركة الداخليّة التي تؤسس للعلاقات النفسية والانفعالية، والحركة الخارجية التي تكوّن تقنياتها ولباسها الخاص. أما الخاتمة التي يمكن أن تكون مقفلة أو مفتوحة أو رمزيّة، أو واضحة في القصة، فتأتي وليدة السرد، وتبدو أنها العنصر الأقوى والأهم بين عناصر القصة القصيرة جدًا؛ إذ تعدّ نقلة سريعة من داخل النص المحفز إلى خارجه المدهش والصادم والمستفز. وهي باختصارها وباعتمادها اللغة البليغة والنهاية الصادمة، مكّنت لها في أوساط القرّاء والكتّاب على حد سواء، وقد تنامى خلال السنوات الماضية الاهتمام بفن (ق. ق. ج.) والاحتفاء به، ولا سيما في دول الخليج العربي والمغرب، إذ برزت أسماء عديدة منها السعودية د. وفاء خنكار والكويتية ليلى العثمان، والعديد من أسماء الكاتبات والكتاب، وقد خصصت لهذه السردية الحديثة مهرجانات وملتقيات ومسابقات في العالم العربي، وتشكلت رابطة في المغرب تحت اسم (الرابطة العربية للقصة القصيرة جدًا)، بهدف جمع المبدعين والنقاد والمهتمين بهذا الفن، في مؤسسة ثقافية راعية، تضمن حقوق هؤلاء، وتنظم ورشات تكوينية متعددة في هذا المجال، وتبادل الخبرات والمعارف والأفكار حول هذا الجنس الأدبي الجديد في الساحة العربية. كما صدر أكثر من كتاب في هذا النوع، من ذلك كتاب (قصص عربية قصيرة جدًا) لنخبة من المبدعين، جمعت فيه قصص لـ 108 كُتاب من كل دول العالم. كما تبّنى مشروع المتكأ الثقافي في البحرين، النتاج الإبداعي لنخبة من كتاب الوطن العربي، بعنوان “يوم واحد من العزلة- قصص قصيرة جدًا” تضم 250 نصًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق