كلمة جيرون

اللاجئون السوريون نعمة وليس نقمة

اقتلاع الناس من أوطانهم، أو تهجيرهم القسري، باستخدام السلاح والحصار والتجويع والاعتقال، مأساة كبرى وجريمة موصوفة ضد اﻹنسانية، تحرمها الشرائع السماوية والقوانين الدولية حامية حقوق اﻹنسان.

ملايين المدنيين السوريين اقتُلعوا من أماكنهم قسرًا، واضطروا إلى الفرار من لهيب الحرب والدخان، سواء تلك التي أشعلتها الدبابات والطائرات والبراميل المتفجرة والصواريخ، أو تلك التي افتعلتها الكتائب الجهادية المسلحة، اﻹرهابية والمتطرفة والأقل تطرفًا، باستخدام السكاكين والسياط والفؤوس والمتفجرات، والتي فرضت سيطرتها فجأة على مدن ومناطق واسعة من اﻷراضي السورية، رافعة شعارات دينية وطائفية، كانت أشد فتكًا من الغازات السامة، ولا علاقة لها بالدين ولا بالشعب السوري وحقوقه المشروعة في الحرية والكرامة والدولة المدنية، بل هي ثورة مضادة موصوفة، ومتحالفة مع الاستبداد السياسي الرسمي، والنظام الإقليمي والعالمي، اللذين أراداها أن تكون حربًا أهلية بين الطوائف والعشائر والقوميات.. فالاستبداد السياسي المتجذر، والديني الطارئ المتعصب، تحالفا معًا ضد ثورة السوريين الشعبية الوطنية المسالمة، وتمكّنا أخيرًا من شيطنتها وحرف مسارها، إلى حرب ضد اﻹرهاب، باتت شعارًا واحدًا ووحيدًا، وذريعة محلية وإقليمية ودولية وأمنية، للقضاء، ليس على الثورة السورية فقط، بل على ثورات الربيع العربي الملطخة بالدم والبارود.

إن التهجير القسري لم يبدأ من القصير، ولا من الزبداني أو الرقة، ولا مع الحصار والتجويع والاعتقال والقتل تحت التعذيب، بل بدأ مع أول دبابة اجتاحت المدن، ومع أول برميل أو قذيفة أسقطتها طائرة من السماء، ومع أول تدخل إيراني ولبناني. إنه قرار استراتيجي اتخذه النظام منذ الاجتماع الأول لخلية الأزمة الأولى، وهو تحويل شعار الشعب: “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى شعار النظام: “النظام يريد إسقاط الشعب“! وهذا ما حدث ويحدث حتى الآن! لكن “رُبّ ضارة نافعة”، كما يقال، فدرب اﻵﻻم الذي يسير فيه السوريون اليوم، والذي اجتاح الحدود المجاورة، وقطع البحار والسماوات، سيثمر مهما طال الزمن. لقد أثبت السوريون -في الداخل والخارج- أن الدم سينتصر على السيف، وأنهم قادرون على تحويل الجرح إلى وردة، والآلام العظيمة إلى مواهب وملَكات وإنجازات. وهذا أمر بدهي، فمن يرحل يتجدد، شاء ذلك أم أبى، وهم كذلك يتجددون، يتعلمون لغات جديدة ويطلعون على ثقافات ويكتسبون خبرات وعلومًا جديدة، في دول متقدمة علميًا وتكنولوجيًا، ومجتمعات منظمة سبقتنا في خوض حروب طاحنة، قومية وطائفية واجتماعية، ومرت بظروف مماثلة لما يمر به السوريون الذين يندمجون -اليوم- مع هذه المجتمعات المتنوعة الراقية، يكتسبون الخبرة والتجربة والمعرفة اللازمة، لإعادة صياغة أنفسهم وإعادة تعمير بلادهم، وما دمرته الحرب التي فُرضت عليهم، وبناء مستقبل أولادهم ومجتمعهم الجديد.

هذا الاندماج ليس عيبًا، كما يعتقد البعض؛ فهو أخذ وعطاء، وهو تميز وتجاوز للذات، وهو لا يعني –أبدًا- ذوبان الهوية الثقافية والوطنية، بل يعززها ويقويها، ويبني جسورًا متينة وضرورية، مع شعوب اﻷرض.

إن محرقة السوريين ستطهرهم، واكتساب الخبرة سيحولهم -بالضرورة- إلى كوادر وطنية منفتحة وواعية، سوف تعود ذات يوم إلى وطنها الأم، وتساهم في إعادة إعمار الحجر والبشر، على أسس متينة، في سورية المستقبل، رغم أنف ميشيل عون وصهره جبران، وحسن نصر الله وحزبه الفاشي، ومن كان على شاكلتهم من الطائفيين والعنصريين.

مقالات ذات صلة

إغلاق