أدب وفنون

عقار السعادة

توصّل الباحثون الوطنيون العاملون في مركز التطوير والتحديث، إلى عقار جديد، أطلقوا عليه اسم “عقار السعادة”، يستطيع أن يقضي قضاء تامًا على التوتّر والغضب وضيق الصدر، وله تأثير صاعق على الحساسية تجاه تصرفات المسؤولين، كما أنه يزيل الأوهام المتطرفة من كل المقاسات بخاصّة المتعلقة بالتقدم نحو الأسوأ، وله فوائد مؤكّدة في القضاء النهائي على الوساوس، بخاصة التي ما زالت عالقة في نفوس البعض، والمتعلقة ببطولات دحر المؤامرة، أو بفصول الانتصارات المدوية في الحرب الكونية الأخيرة.

وجاء في النشرة المرفقة للعقار أنه آمن وصحي وموثوق، وليس له أي أعراض أو تأثيرات جانبية، اللهم، سوى القليل من فرط الحماسة أو الهياج الإيجابي! وهذا في حد ذاته لا يدخل تمامًا في باب السلب الخالص.

وعلى وجه السرعة تداعت الجهات المعنية إلى عقد ندوة سرية، جمعت الباحثين المكتشفين ولفيفًا من المسؤولين المشرفين، لأجل التداول في فوائد العقار وطريقة استعماله، وفي أجدى الطرق لتسويقه إلى الجماهير، كي يحقق الفوائد المرجوة في تقويم ما اعوج من مشاعر، وترميم ما انكمش من عواطف، جراء مشاهد العنف، أو الدمار، أو التعفيش، من قبل بعض المرتزقة والعصابات المأجورة.

في الحقيقة، طرحت الندوة نظريتين اثنتين للتداول والنقاش، تميل الأولى إلى البساطة واليسر، وترى أن يوزّع العقار مباشرة ومجانًا على الجماهير الشعبية التي هي بيت القصيد ومضمر النشيد. أما الثانية فنظريتها أكثر تعقيدًا وبالتالي أكثر جدلًا، وإن كانت في المحصّلة تصب في جورة الأولى، وهي تطرح خطتها على ثلاث مراحل متتالية: في المرحلة الأولى، يتمّ تنزيل كمية محدودة من العقار بأسعار مرتفعة جدًا، بحيث يستحيل الحصول عليه إلّا من قبل أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الشركات وأغنياء البلد، ثم في المرحلة الثانية يوجّه إلى النخب والمثقفين وأعضاء مجلس الشعب والقضاة وأساتذة الجامعات ورؤساء النقابات والاتحادات وأعضاء رابطة الكتاب، بأسعار معقولة، أخيرًا يتمّ طرحه في السوق بحيث يوزع مجانًا على الجماهير،  كتقدمة أو كهدية في مناسبة الذكرى الأولى لدحر المؤامرة. هذا من شأنه –تؤكّد هذه النظرية- أن يكون أكثر ضمانًا لثقة المواطنين، وبالتالي تقبلهم للعقار وإقبالهم عليه وثقتهم به.

بعد حوار جاد ومسؤول؛ تمّ تبني الخيار الثاني. لكن قبل أن يتم التوقيع رسميًا عليه، وقف مدير الجلسة المفوّض، فحيّا الحضورَ وأثنى على جهود المكتشفين على وجه الخصوص، والموجودين على وجه العموم، وطير برقية حارّة للمناضلين في كل الجبهات، وبرقية ساخنة للجماهير في كافة المحافظات، وقال إنّ جماهيرنا التي صمدت في وجه المؤامرات والحرب الكونية، تستأهل كل الحبّ والتقدير، فهل أقلّ من مكافأتها بهدية متواضعة تكفل لها السعادة، وتؤمّن لها الفرح اللائق؟ اسمحوا لي أن أقول إنّ هذا العقار هو هدية من دون ثمن، لكل مواطن كريم أسهم في النصر الأخير… ثم سأل الحاضرين:

–  أيها السادة! هل من استفسار أو تساؤل، قبل أن يتم أخذ القرار والمباشرة في التوزيع؟

فرفع ممثل النقابات يده!

– عفوًا سيدي! لماذا لم يتم إدراج رؤساء وأعضاء النقابات، ولا أمناء الفروع أو الشعب الحزبية، ولا حتى رؤساء الدوائر والمؤسسات في التصنيف؟ أليس من حق هؤلاء المناضلين أن يكون لهم نصيب، وبخاصّة في المرحلة الثانية من خطة التوزيع، وذلك لاعتبارات لها علاقة بالجانب المعنوي قبل أي شيء؟

ضحك رئيس الجلسة والممثل الأمني معًا، وبإيقاع واحد، حيث كانت الضحكة ذات شقين اثنين؛ شقها الأول من فصيلة الابتسام، وشقها الثاني من فصيلة القهقهة الموقرة، بعد ذلك أجاب رئيس الجلسة وطيف من الفصيلة الأولى على محياه.

– معكم حق من حيث اللهفة على من ذكرت، ومن باب البعد العاطفي تحديدًا، لكن ليس معك حق بغير ذلك! يبدو أنكم لم تنتبهوا أن من ذكرت هم محصّنون بالوراثة، وقد دعّموا تحصينهم بعشرات الدورات والندوات، وبالتالي لا يمكن أن يقربهم الزيغ ولا الزلل ولا الشكّ ولا الشرك!! وبدهي أنّ هؤلاء ليسوا من المتشنجين أو الموتورين أو الغاضبين، هذا أولًا، وثانيًا: هذه الوصفة بطبيعتها وطبيعة مفاعيلها، مفصّلة كي تنزل من فوق إلى تحت، أي من القمة إلى القاعدة، على العكس من كل الدعوات والصلوات والتقارير، التي تصعد من تحت إلى فوق! هل وصل الجواب؟؟

– وصل.. وصل.. سيدي! أعتذر عن التسرّع وعدم الانتباه

وهكذا تقرر أن يتم التوزيع مباشرة بعد التوقيع.

وفعلًا، ما إن وصلت طلائع العقار إلى الجماهير، حتى أقبلت عليه إقبالًا منقطع النظير، تأخذ وتستزيد وتشرب على الريق وعند المساء، بحسب التعليمات المشروحة، بخاصة أولئك الذين كانت ما زالت نفوسهم مكتئبة أو متوترة، أو لا يستطيعون النوم من الغضب أو الحرد الشديد!

بعد ثلاثة أشهر لا غير؛ بدأت المفاعيل الايجابية تظهر على الأرض وفي وجوه العباد، وعلى القسمات وفي التصرفات، وفي الدوائر والمؤسسات والاجتماعات واللقاءات والحوارات والمنتديات، ثم في البيوت والردهات وعلى الطرقات وفي كل الأوقات، وباتت جماهير البلاد من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها في منتهى السعادة والانشراح والفرح والحبور، بعد أن زال التوتر والغضب من تجاويف الشعور، واضمحلّ ضيق الصدر من أقفاص الصدور.

جاء في ذيل التقرير السرّي الذي قدمه الرجل السري من الجهة السريّة إلى المكتب السريّ: سيدي!  لقد نفذ “عقار السعادة” تمامًا من الأسواق والسوبر ماركات والصيدليات والأكشاك التي توزّعه في مداخل الحارات وعلى المفارق وتقاطع الطرقات.. وهذا مؤشّر لا يُدحض أن جماهيرنا -حمدًا لك يا ربّ- باتت الآن جماهير آمنة مسالمة،

بلا توتر،

بلا غضب،

بلا حرد،

وبلا ثورات… أو بطيخ مبسمر.

مقالات ذات صلة

إغلاق