ترجمات

ثورة تركيا ستستمر

الصورة: ملصق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول: “أشكرك يا إسطنبول” في ساحة تقسيم في إسطنبول (تركيا) يوم الثلاثاء. سادات صونا/ وكالة حماية البيئة، عبر ريكس –شترستوك

توجه أكثر من 55 مليون تركي إلى صناديق الاقتراع، يوم الأحد 24 حزيران/ يونيو، لانتخاب رئيس البلاد الجديد، ولتشكيل برلمانها الجديد. وكما حدث مرارًا وتكرارًا منذ عام 2002، كان الفائز هو الرئيس رجب طيب أردوغان. بأكثر من 52 في المئة من الأصوات، حصل أردوغان على تفويض بحكم تركيا حتى عام 2023، الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

بالنسبة إلى كثيرين، خاصة في الغرب، يبدو من الصعب فهم نصرٍ آخر للسيد أردوغان. فالاقتصاد كان قاتمًا، والليرة التركية في انخفاضٍ سريع مقابل العملات الأخرى، والديمقراطية تتدهور بشدة. علاوةً على ذلك، يبدو أن المعارضة المنقسمة رتبت أمورها هذه المرة لتعمل معًا، على تشكيل تحالف وترشح محرم إينجه، وهو مرشح يتمتع بكاريزما. كل هذا أدى إلى توقع واسع النطاق بأن السيد أردوغان قد يخسر هذه المرة، أو على الأقل سيواجه نكسة كبيرة.

لكن رجل تركيا القوي أثبت قوته كما كان دائمًا. السبب في ذلك هو عدم تزوير الأصوات. إن الأمر لا يتعلق فقط بالطريقة التي يمسك بها السيد أردوغان السلطة مع قبضته على وسائل الإعلام. الحقيقة هي أن معظم الناس الذين صوّتوا لصالح السيد أردوغان سيصوتون له بغض النظر عن أي شيء. لم ينظروا إلى هذه الانتخابات كمنافسة بين سياسيين يعِدون بحوكمة أفضل، وإنما عدّوها تحديًّا ضد عدوّ وجودي عمره قرن من الزمان.

تعود القصة إلى تأسيس تركيا الحديثة عام 1923 من قبل مصطفى كمال أتاتورك، الذي أسفرت إصلاحاته العلمانية، من الأعلى إلى الأسفل، عن خلق سكان حضريين غربيين ينظرون إليه كمخلّص. لكن “الثورة الكمالية” ذاتها خلّفت وراءها طبقة محافظة مصدومة، شعرت بأنها “غريبة في وطنها، منبوذة في أرضها”، كما قال الشاعر الإسلامي نجيب فاضل عام 1949.

عندما بدأت الانتخابات متعددة الأحزاب في عام 1950، بدأ المحافظون دخول النظام، لكنهم عوقبوا مرارًا من قبل “أوصياء النظام”، كما وصفت النخبة العلمانية نفسها بفخر. فقط مع انتخاب السيد أردوغان، وتصليب/ توحيد السلطة في أوائل الألفية، تكسّرت هذه الهيمنة العلمانية تمامًا.

هذا ما يفكر فيه المحافظون الدينيون في تركيا، عندما يصوتون لصالح السيد أردوغان، ولحزبه (العدالة والتنمية)، وليس في عيوبه، التي لربما يعترفون بها بصمت. لا يفكرون في الصحف التي تم الاستيلاء عليها، أو الأساتذة الذين تم وضعهم في السجن، ولكن في كيفية حظر النداء العربي للصلاة [الأذان] في ثلاثينيات القرن العشرين، وحظر غطاء الرأس [الحجاب] في التسعينيات. ضد “تركيا القديمة” هذه، التي يحتقرها المحافظون الدينيون، أثبت السيد أردوغان أنه مخلّصهم. قد يشعر الأشخاص الأكثر عقلانية بأن “تركيا الجديدة” ليست أفضل من القديمة، لكنها ما زالت تركيّتهم.

بكلمات أخرى، يستعرض السيد أردوغان بشعور من الثورة التاريخية، مدفوعًا بحماسة ثورية. بعد قرن من الزمان في القفر، أصبحت تركيا عظيمة -وإسلامية- مرة أخرى. والبقية تفاصيل تافهة.

هذا الإحساس بالأهمية التاريخية العالمية يشوّه كيف يتمكّن المحافظون من رؤية بقية العالم. إنهم يفترضون أن العالم كلّه، وخاصة العصابة السرية الشريرة التي يُفترض أنها تديره، يُعلّق أهمية كبيرة على دور تركيا المحافظ كما يفعلون. وهم بذلك يعتقدون أن الموضوع الرئيس لآلة الدعاية العملاقة للسيد أردوغان هو: المؤامرة. يرون مؤامرة عالمية لإطاحة السيد أردوغان. ويعتقدون أن هناك مؤامرات لا نهاية لها، ومحاولات انقلابية ومضايقات يجب أن تصدّها تركيا الجديدة. (وبالطبع شعروا بأن هذا الشكوك أكدّتها محاولة الانقلاب الحقيقية في تموز/ يوليو 2016).

هذا العقلية التآمرية تفسر أي مشكلة تواجه البلاد، وبالتالي تساعد في تحصين الرئيس. في بلدان أخرى، قد يؤدي الاقتصاد الضعيف الأداء إلى خفض شعبية الرئيس، خاصة إذا كان لنظرياته الاقتصادية غير التقليدية أي دور في ذلك. في تركيا، يُستخدم هذا الأمر كدليلٍ على “هجوم اقتصادي” من الغرب. وقد أظهر استطلاع حديثٌ للرأي أن أربعة من كل خمسة ناخبين -أكثر بكثير من قاعدة أردوغان- يجدون أن هذه المؤامرة معقولة، وقابلة للتصديق. قد يتضح في النهاية أنه كلما واجهت تركيا مشكلات أكثر؛ زادت قاعدة السيد أردوغان اندماجًا.

ما هو أكثر إثارة للاهتمام في تركيا الجديدة هو علاقتها مع “الديمقراطية”. قد تقول جماعات حقوق الإنسان، والمنافذ الإخبارية الغربية إن الديمقراطية التركية تموت، ولكن السيد أردوغان ومؤيديه يعتقدون، بصدق وأمانة، أن تركيا حقيقة هي أكثر ديمقراطية من أي فترة مضت.

كيف يمكن أن يكون ذلك؟ بالنسبة إلى الرئيس وأنصاره، فإن “الديمقراطية” لها معنى واحد بسيط: من يفوز في صناديق الاقتراع يجب أن يقود الدولة/ الأمة، ليس من خلال حكم السلطة التنفيذية فقط، وإنما أيضًا السلطات التشريعية والقضائية، ووسائل الإعلام، والأوساط الأكاديمية، والدين والثقافة. لا يكاد يوجد أي مجال في الدولة أو المجتمع ينبغي أن يظل مستقلًا عن القائد المنتخب الذي يمثل “إرادة قومية” مقدسة تقريبًا.

عندما يتحدث الغربيون عن “الديمقراطية”، فهم بداهة يقصدون الديمقراطية الليبرالية، وهي التي تتضمن قيمًا مثل حرية التعبير، والصحافة الحرة، وحكم القانون، والقضاء المستقل، والحرية الأكاديمية وحقوق الملكية. لكن تركيب/ توليف الليبرالية والديمقراطية ليس أمرًا ضروريًا. تركيا هي واحدةٌ من عدة “ديمقراطيات غير ليبرالية”، في حالة صعود في العالم.

لكن لا ينبغي لأحد أن ينسى أن تركيا أكبر من أردوغان، مثلما كانت أكبر من أتاتورك. من المرجح أن تستمر ثورة أردوغان في المستقبل المنظور، لكنها لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. في نهاية المطاف، عندما تتلاشى تركيا القديمة بالكامل، ويتحول التيار ضد التجاوزات الرجعية لتركيا أردوغان الجديدة؛ قد تنشأ تركيا ثالثة: تركيا حيث لا توجد جماعة مهيمنة، لا أحد يشعر بأنه “منبوذ في أرضه”، وأخيرًا كل شخص حرّ.

 

اسم المقالة الأصلي Turkey’s Revolution Continues
الكاتب* مصطفى أقيول، Mustafa Akyol
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Tımes، 28/6
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/06/28/opinion/turkey-election-erdogan-democracy.html
عدد الكلمات 832
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون
  • مصطفى أكيول هو باحث في معهد كاتو، مؤلف كتاب “الإسلام بلا تطرف: قضية إسلامية من أجل الحرية” وكاتب رأي.

مقالات ذات صلة

إغلاق