أدب وفنون

تمزق أربطة

– تبًا، تبًا، تبًا…

وراح يضرب رأسَه الوحيد الذي يملكه بقبضة يده. نهض من فراشه. انتصب أمام المرآة كعمود الكهرباء، ظهرٌ منتصبٌ حتى ما بين الكتفين، ينحني بعدها بشدة إلى الأمام. عروق قدميه نافرة. قميص القطن الداخلي مبلل بالعرق. أنفه يتدلى أمام وجهه كراية على سارية. بحلَق في المرآة وانتظر بضع لحظات. لم ينقص الألم ولم يزد. استخدم أصابعه المهترئة ليفتح عينيه أكثر. بحلق من جديد. لم يتغير شيء. أربعة شرايين حمراء في كل عين، واحد اثنان ثلاثة… أوووه! عدد كبير من الشعيرات الدموية، حمراء هي الأخرى، تبدو جميعها كشبكة تمسك عينيه، كي لا تتدحرجا من تجويفيهما. تمعّن في البؤبؤ. حاول أن يرى دماغه عبره، لم ينجح. تمنى لو كانت الإبرة أرفع، لاستطاع إزالة بؤبؤ عينه والنظر إلى داخل الدماغ، أما هذه الإبرة فقد جربها من قبل. إنها مؤلمة جدًا.

– “شو؟! شو صرلك”؟!

سأل رأسَه بغضب. لم يجب الرأس بكلمة. أمسك بسالفيه وشدهما إلى الأعلى.

– شو يا “….”؟! شو؟! بتوجعني بوجعك! بتدايقني بدايقك. و.. هه، هه، هه.

لم يُظهر الرأس أي علامة ألم. على عكسه هو! أرخى يديه عن السوالف، واتجه إلى المطبخ، تاركًا خلفه ضجيج شحاطته عند كل خطوة. لأول مرة ينتبه كم هو مزعج. خلع الشحاطة وأكمل حافيًا. وصل إلى المطبخ، أدار رأسه في كل الاتجاهات، فعلها برفق، محاولًا إظهار بوادر حسن نية تجاه رأسه الذي يؤلمه. لم يتغير شيء.

– و ….

شتم رأسه بكلمة شديدة البذاءة. مشى بضع خطوات باتجاه المجلى، لكنه تذكر أنه لم يأت إلى المطبخ كي يستخدم المجلى. لماذا أتى إلى المطبخ؟

– تفضل جاوب، ليش جبتنا لهون. الله “…..”

شتيمة أخرى أقذر من الأولى.

بدأ يشعر بأنه لا يسيطر على المجريات، رأسه يأخذه حيث يشاء، ويجعله ينسى ما يشاء، ويتحكم في نومه واستيقاظه وألمه، وحتى في شكل جسده الذي يشبه عمود الكهرباء، والذي حاول كثير من الحدادين والنجارين وحتى اللحامين تجليسه. عبثًا.

قرر رأسه أن يكون شكل جسمه كالعمود، فكان كالعمود.

أنصت قليلًا.. يبدو رأسه صامتًا تمامًا. سيغافله إذًا. أمَره أن يأتي إلى المطبخ دون سبب واضح، سيخلق السبب إذًا. سيعدّ كوبًا من الشاي المعطر.

أعدّه وجلس على كرسيه البلاستيكي، ثم راح يشفط الشاي بأعلى صوت ممكن.

– “ما بدك تخليني نام؟! طيب! نام إنت لشوف إذا كنت زلمة”.

قال له ذلك وشفط شفطة لا يقوى عليها إلا موتور بقوة مئتي حصان. ابتسم. بدأ يتلذذ بالشاي. ويشفط. ويتلذذ. ويشفط. صارت اللذة أقوى من صوت الشفط، رويدًا رويدًا، لم تبق إلا اللذة، واختفى صوت الشفط تمامًا.

استيقظ صباحًا في موعده الدائم. مارس طقوسه الصباحية اليومية. سار إلى عمله عبر الطرقات التي اعتادها، وكان ينظر بين الحين والآخر إلى صورة رأسه المعكوسة على زجاج السيارات، وواجهات المحلات. لا شيء غريب في شكل رأسه. بدا أليفًا، وكأنه رأسٌ آخر.

أنهى يوم عمل جديد، لم يكن جديدًا في الحقيقة، إنه ككل يوم عمل. لكنه مرر ساعاته بنجاح. لا خصم من الراتب هذا الشهر. عاد إلى المنزل. خلع ملابسه، استحم، أكل، شعر بالنعاس، أدار التلفاز على القناة التي يحبها، لكنه سرعان ما أطفأه. وضع رأسه على وسادته التي اختارها بعناية، وأغمض عينيه. بعد أكثر من ساعة، صرخ.

– تبًا، تبًا، تبًا…

نهض بعصبية. فتح باب خزانة الملابس. لبس وهو ينظر مزورًا إلى رأسه. وأخذه إلى الإسعاف.

جلس في كوريدور المستشفى قلقًا. فحوصات كثيرة، بل صورة للرأس. لم تعجبه الفكرة. هو لم يتصور إلا مرتين، حين استصدر هويته الشخصية، وحين استصدر دفتر خدمة العلم. شعر للحظة أن رأسه بات أهم منه. إنه يلقى اهتمامًا لم يلقه هو.

هبّ منتصبًا كعمود الكهرباء، حين ظهر الطبيب في آخر الكوريدور. بدت ملامح الطبيب قاسية. فارتبك.

– “ليش ما قلتلي إنو عندك أفكار براسك؟

– لإن، دكتور، هي أفكار طلعتلي من زمان، والحمدلله وضعها مستقر.

– مستقر؟!! عم تاخد دواك؟

– بانتظام دكتور. (يحدجه الطبيب بنظرة تنم عن احتقار) يعني إلا التلفزيون، ما عاد عم شوفو بانتظام.

– الله الله! يا سلام عليك، ليش شو في عندك لحتى ما تشوف التلفزيون بانتظام؟

– دكتور والله خوفتني، شو القصة؟!

– طلع معك تمزق بأربطة وحدة من الأفكار يا إستاز. في وحدة من أفكارك مانها مستقرة أبدًا”.

خيّم الصمت على المكان. تحولت نهاية الممر إلى فجوة دوّامية سوداء تتجه إليه. سقط فكه السفلي على الأرض، شعر بحنجرته ككتلة من الشوك في عنقه. ارتخت ركبتاه. وبدأت الدموع تسيل من عينيه دون أي إرادة منه. في الزمن الذي يفصل بين بداية سقوطه على الأرض ونهاية ذلك السقوط، مرّت في رأسه آلاف الصور. من المدرسة، من التلفاز، من الخطابات، فم الوالد يصرخ، يد الوالدة تصفع، سيرته الذاتية أمام المدير، سبابته تنقر على الجريدة الحكومية المركونة فوق مكتبه، آلة الـ ATM واهبة الرواتب، الروزنامة وعليها الرقم الأخير من الشهر. صور سيارات الإسعاف وهي تنقله من مستشفى إلى آخر، الأطباء العاجزون عن فعل أي شيء لتثبيت فكرته، فكرته نفسها وهي تنقبع من قحف رأسه شيئًا فشيئًا، وجهه أمام المرآة، شرايين عينيه وشعيراتها الدموية، الإبرة التي كان ينبغي أن تكون أرفع. توقف كل شيء فجأة. لا شيء، لا صور، لا أصوات، لا أفكار، لا ذكريات، لا شيء. ومن اللاشيء ظهر فنجان شاي ذو رائحة عطرة، البخار يتصاعد منه كراقصة باليه، أمسكه، وضعه على شفتيه، وشرب بهدوء دون أن يصدر أي صوت.

 

(*) اللوحة للفنان السوري دلدار فلمز

مقالات ذات صلة

إغلاق