مقالات الرأي

ليبرمان هو من علق الجرس لسحق درعا

بعد وقت قصير على بدء هجمات عصابات الأسد وميليشيات طهران الطائفية على الجنوب السوري، دخل سلاح الطيران الروسي بوحشية، في معركة سحق الثورة والإنسان في محافظة درعا. قبل ذلك، كان الموقف مما يجري مشوشًا وملتبسًا. وكثيرة هي الأسئلة التي طرحت عن سر عدم مشاركة القوات الروسية في المعركة من أولها، أي حين بدأها حلف بشار –الملالي- الميليشيات الطائفية.

لقد جاء توقيت بدء عمليات الطيران الروسي ضد محافظة درعا متزامنًا، أو بعد ساعات قليلة من إعلان القيادة الأميركية أنها ليست معنية بحماية الجنوب السوري، ووجهت للفصائل المقاتلة في المحافظة رسالة صريحة، تنطوي على دعوة لها بالاستسلام. وكانت قبل ذلك ترفع صوتها بالالتزام باتفاقية “خفض التصعيد” هناك، زيادة على تحذيراتها المتواصلة من دور القوات الإيرانية في سورية، وفي منطقة الجنوب تحديدًا. فما الذي جرى ويجري؟ وما هي أوراق اللعب الجديدة التي دخلت على خط التناقضات المعقدة في سورية، وعلى المكانة الجيو-استراتيجية للجنوب السوري؟

أول ما يتبادر إلى الأذهان، خلال البحث عن إجابات حول السؤال أعلاه، أن موسكو قدمت ضمانات لأميركا، بإبعاد الإيرانيين عن حدود كل من الأردن و”إسرائيل”، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لسلطة بشار، عبر سلطات “الانتداب” الروسية، للبدء بالهجوم. لكن مثل هذه الضمانات أعلنت عنها روسيا أكثر من مرة، واستمرت واشنطن تشكك وتحذر وتهدد أيضًا، في حال المساس بـ “اتفاقية وقف التصعيد” في جنوب سورية. كما أن إدارة ترامب بقيت على موقفها من مطالبة روسيا لها بتمكين سلطة بشار، والاتفاق على بقائه في سدة الحكم، ولم تقدم واشنطن أي إشارات على قبولها هذا الطلب الروسي. فهل وصلت إدارة ترامب إلى الاتفاق مع بوتين على مستقبل الوضع السياسي في سورية، لتكون معركة سحق درعا والجنوب السوري باكورة القبول الأميركي بالنظرة الروسية للمستقبل السياسي في سورية؟

لنعد إلى الوراء قليلًا، فقبل أيام من بدء هجمات قوات سلطة بشار على شرق محافظة درعا، كان مفاجئًا تصريح وزير “الدفاع الإسرائيلي” ليبرمان، الذي أعلن فيه أن لا صحة لوجود قوات إيرانية هناك (جنوب غرب سورية)، ونفى أن يكون الإيرانيون قد تنكروا بالزي الذي تستخدمه قوات بشار الأسد. وهو ما لم نعهده في الخطاب الإسرائيلي نحو الوجود الإيراني في سورية، وإزاء السياسة الإيرانية بمجملها في المنطقة. وبالإمكان القول: إن هناك “قطبة” مخفية في “الثوب” الذي تفصله روسيا، بالتنسيق التام مع “إسرائيل”، وبمصادقة أكيدة من واشنطن.

لا تحتاج مقاربة الوضع في جنوب سورية، وما يجري حوله من تبدلات بين أطراف التناقض في الأرض السورية، إلى التمادي في المخيلة، لكن القليل منها يمكن اعتماده لمقاربة ما جرى في الشهر الحالي، بتغيّر المواقف لدى كل من “إسرائيل” وواشنطن وطهران، ثم بدخول روسيا بطائراتها في معركة سحق الجنوب السوري. وهو دخول لم يكن له أن يتحقق إلا بالموافقة الأميركية.

حين تعلن “إسرائيل” تبرئة طهران، من “ذنب” الانتشار في جنوب غرب سورية، ومن اندماج ميليشياتها مع قوات الأسد، وهو ما أعلنته طهران لتبرئة ساحتها من الاتهام، وعندما تعلن واشنطن، “بين ليلة وضحاها”، إلغاءَ التزاماتها باتفاقات “خفض التصعيد”، وتدعو الفصائل السورية المناهضة لبشار وميليشيات طهران، إلى تغيير موقفها، لأنها –واشنطن- لن تقوم بأي عمل هناك لحماية أبناء المنطقة وفصائلها المسلحة، أي أنها لم تعد معنية بالحفاظ على وقف التصعيد، وأيضًا حين يقوم الأردن بإغلاق حدوده أمام موجات اللاجئين الهاربين من القتل والتدمير، ومع بدء الطيران الروسي هجماته الكثيفة والشاملة على أبناء المنطقة، بعد أن تريث كثيرًا، وأوحى بأن روسيا ليست مع الهجوم على درعا والجنوب. فكل ذلك لم يكن ناتجًا عن الاطمئنان الإسرائيلي – الأميركي لحدود الدور الإيراني في سورية، ولبعد قوات إيران من حدود الجولان، فما المانع أن تكون طهران انزاحت نحو مقعد لها في العلاقة الروسية الإسرائيلية، ومعها وقبلها بشار الأسد، لتصبح جريمة درعا الممهورة بخاتم “إسرائيل”، تمكينًا لسلطة الطاغية من إحكام سيطرته، بإنهاء “التمرد” الذي تشكل درعا، معنويًا، باكورته الشعبية للخلاص من الدكتاتورية، ولتقطف “إسرائيل” ثمن السماح ببقاء الاستبداد مهيمنًا على سورية، اتفاقًا على الجولان، كما تريده “إسرائيل”، ولترسخ روسيا هيمنتها على القرار السوري إلى أمد بعيد، حيث نجاحها بربط بشار باتفاق شامل على الجولان مع “إسرائيل”، يُعد اختراقًا روسيًا مهمًا، يجعل حليفها في تل أبيب راضيًا عن دورها إلى أبعد الحدود. وعلى ذلك؛ يمكن أن تتقارب واشنطن مع موسكو، والرابط الإسرائيلي بينهما موضع ثقة أكيد.

خلاصة القول أن “إسرائيل” هي من تقرر الوضع الجيوبولوتيكي في جنوب سورية، ولم تكن لتعطي الضوء الأخضر لبشار بشن هجومه هناك، لسحق الثورة والشعب، دون أن يكون هناك ثمن كبير تمّ وضعه في رصيدها السياسي والأمني، يتعلق بملف الجولان بكامله. وانزياح الموقف الأميركي من مسألة جنوب سورية، بتنصل واشنطن من المسؤولية عن اتفاقات “وقف التصعيد”، ليس منفصلًا عن الخيار الإسرائيلي في تداخله مع الأزمة في سورية. وما تستطيع “إسرائيل” القيام به لجعل واشنطن تقبل ببقاء الطاغية، واعتماده تمامًا في الجغرافيا السياسية في المنطقة، يفوق دور روسيا وغيرها من الدول. ويعرف بشار أنه مع “إسرائيل” وأمنها والتنسيق معها يستطيع أن “يضع قدميه في ماء بارد”، ولا حاجة له لتحقيق رغبة أبيه المزعومة: “أن يضع قدميه في مياه بحيرة طبريا”.

نعم، إن ليبرمان هو من أعطى الضوء الأخضر لبشار لشن الهجوم الوحشي على محافظة درعا. لكن ليس مجانًا، والثمن الذي ستقطفه “إسرائيل” كبير.

مقالات ذات صلة

إغلاق