أدب وفنون

لأنني نادرًا ما أقول أيّ شيء

التوقع ليس ممكنًا قرب حواس حازم العظمة التي تتقد بقدر ما ابتعدت واغتربت، تأخذنا الرؤى إلى عالم آخر، يتقاطع فيه الحسي مع المجرد والشعري المتخيل مع الواقع المتحرك.

ما الذي يعيده لنا حازم العظمة من حواسه؟

كيف تتشكل عوالمه وفق دلالات كثيرة في شعره: الأزرق، النظرة، الرمل، الضوء، شجر الصنوبر؟

هناك من قاطع تأملاته وحصرها بين الريف والمدينة، بين الفسيح والمغلق، كانوا كمن يسأل بيته الغارق في المدى: لماذا أنت هنا؟

أشم رائحة الخريف الأزرق، قبل أن أصل إلى ذاك البيت.

– حازم العظمة صباح الخير

= صباح الفل، سوزان

– ما أحبه في بيتك أنه يشبه قصيدتك إلى حد بعيد، فهنا -أيضًا- لا نجد المعتاد والسائد، كالغرف أو الجدران مثلًا؟

= بيتي المؤقت في جرمانا تعنين، كان فعلًا بلا جدران، أزلتها كلها..

كنت انتقلت إليه في أواخر 2012 من بيتي الذي في الفلاة، ذلك –أيضًا- بلا جدران.. ما زلت أحب أن أحدد موقعه هكذا: عند آخر الأعوج، شرق حرّان العواميد، غرب التلال السود، جنوب جبل أبو العطا.. أن حَرَمون إلى غربه.. والقَرنة السوداء وطلعة موسى إلى شماله الغربي.. هكذا حتى أدل عليه الطيور..

سعيد أنكِ رأيتِ بيتي بلا جدران، أيًّا كانت..

-الذات في شعرك وُجدت لتروي تفاصيل الوجود، كما لو كانت خارجة للتو من العدم، كلها دهشة وغرابة تحيل الرموز إلى أسماء جديدة، عين ذكية تلتقط لنا عالمًا زاخرًا بالأسئلة، كأن تقول:

“ما سيحدث بعد أن تبتعد

ثم لا شيء

لا شيء إلا الشارع الذي بعده

حين بعدها تمامًا:

لا شيء….

لم أكن هكذا تمامًا.”

– اختيارك أن تكون في الأشياء خارج الذات، هو –أيضًا- اختيار ذاتي، فمن الصعب على أي شاعر أن يلغي ذاته في النص، ما هو الهامش الذي يتبقى للغة، والقارئ معًا، من ذاتك في كتاباتك؟

= لن تكون أي كتابة عن العالم إلا كتابة عن “الذات” بمعنى ما، ما أراه هو هكذا لأني هكذا أراه، لذا هو -دائمًا- شخصي جدًا، لأن الرؤية لا يمكن أن تكون متشابهة ولا واحدة، أعتقد أن الشعر العربي الحديث مثقل بالرؤى الذاتية، رؤية المرآة أعني، ويا ليت أن ذلك نرجسي فالنرجسية أجمل.. ما أقترحه –دائمًا- أن يترك الشعر المرايا النرجسية وأن يرى العالم..

– لطالما تكررت مفردة (الرمل) في قصائدك، هل جاءت بمعنى اللحظة الغامضة التي تبتلعك ولا تعلم ما هي، أم كانت المجهول والمطلق وما لا يحصى؟

= لا، إطلاقًا، لا أحب ما يسمى بالرموز، حين أقول الرمل فأنا أعني الرمل فعلًا.

اللغة أساسًا رموز. لماذا نحمّلها رموزًا بمثابة أعباء، حين نقول “الوردة”، لا ننتبه أن هذه الأصوات أو شكل الحروف التي رسمناها على الورق، والتي اعتبرناها “وردة”، لا علاقة لها بالمدلول المقصود، أي الكائن الفعلي الذي هو “وردة”. هي من الأساس “رمز”، هكذا باللغة ألّفنا صورًا كثيرة وروائح وملمس وفضاء حتى نقول وردة.. كما حين نقول “الحب” في كلمة من حرفين، جمعنا الرغبة والتفاتة العينين واستدارة الخصر ونحوله، وكل شيء في كلمة من حرفين.. رموز اللغة مليئة بالمعاني، ولا تحتاج إلى رموز إضافية..

حين أقول الوردة فأنا أعني الوردة فعلًا، وكذلك حين أقول الرمل، الطيور، الصنوبر، الجبال، البيوت، وهكذا.

– كيف أمسك اللحظة حين تأتي؟

أين التقيتَ بالشعر أول مرة وكيف كانت تلك اللحظة؟ هل حازم العظمة هو نفسه الذي يكتب منذ عشرين سنة، ما الذي تغيّر؟

= صرتُ أميل أكثر إلى العبارة القصيرة، الأكيد أن هذا لم يكن متعَمّدًا، كما الشعر كله على أي حال، الشعر لا يمكن أن يكون متعَمّدًا أو “مدبّرًا”. ما يحدث أني ربما أنتبه إلى شيء كتبته أو أسلوب استخدمته أو نبرة، حَسب بعد أن أقرأ ما كتبت. فقدتُ الكثير من الرغبة في الإفاضة وفي التكرار. القارئ الذي يعنيني، الذي أحبه أقصد، يستطيع أن يجد الشعر في العبارات القصيرة التي أتمناها، متوهجة وتصل بعيدًا.. كان دائمًا يضحكني الادعاء: “أنا لا أكتب لأحد، أكتب لنفسي”.. ادعاء كهذا غاب عنه أن اللغة بالأساس، الكلمات بالأساس، كانت لإرسال إشارات وإضاءات وأصوات وملمس لكائن ما… إشارات وإضاءات وأصوات أيٌ منها لن يتكرر ثانية، كانت هذه في أساس اللغة لا الشعر وحده..

ومع أن هذا يبدو لأول وهلة متناقضًا، فإنك قد تجدين –أيضًا- المقاطع السردية الطويلة ضمن نسيج القصيدة، وهذا ما أراه يعيد للسرد شاعريته المهمَلة غالبًا.. ولا أرى تناقضًا في هذا مع طبيعة الشعر، الوثيقة العرى بالإيجاز والتكثيف..

الموسيقيون عرفوا ذلك منذ زمن بعيد.. أعني التناوب بين العبارات الموسيقية القصيرة والسرد الموسيقي المتصل الطويل..

التقيت بالشعر لأول مرة، بسبب حب امرأة، وهذا ما نعنيه حين نقول الحب.. ولا نعني غير هذا، وهذا يحيل إلى الكائنات كلها.

“لأراكِ

لا بدّ من سماء طويلة

وبساط قرمزي

غرفًا مفردة

في ممرٍ طويل”

– قصائد أندروميدا 2004، طريق قصيرة إلى عراس 2006، عربة أولها آخر الليل 2012، عناوين مجموعاتك الشعرية الثلاث، تُرفق هذه التواريخ دومًا مع عبارة وكأنها منبه “حازم العظمة من شعراء التسعينيات”، من تأخر عن الآخر الشعر أم الشاعر؟

= الشعر ليس صديقًا للجداول الزمنية، ولا للتصنيف والمواعيد..

– هل تظن أن القارئ يواجه صعوبة في تلقي ما تكتب، وهل ترى أن عوالم نصك تتلاءم مع قارئ (فيسبوك)، الذي يقرأ ويتلقى عادةً بسرعة؟

= لا، الشعر لا يلائم (فيسبوك) لكن هناك في هذا الفضاء ثمة كل شيء، وقراء لكل شيء.. الأكيد أنهم ليسوا متشابهين.. في المرات القليلة، على كل حال، التي فيها تورطت في نقاش حول “معنى” الشعر، ومن ذلك مسألة صعوبة الفهم وما يشبهها، شعرت بأننا لا نتحدث عن الشيء ذاته، بأن في رأس من أجادله شيئًا ما، يُسمى “الشعر” غير الذي أعرفه، هكذا يبقى الشعر عصيًا على التعريف، هناك من يرى في الشعر مكانًا لقراءة الحِكم أو المفارقات و”الأفيشات” أو للاستمتاع بإيقاع مكرر يجده مصدرًا للطرب، ثم أنه بالنسبة إلى غير هؤلاء قد يكون طريقة للبكاء والتفجع، ومنه الشكوى واللطم… ولا أريد أن أمنع أحدًا من رؤية الشعر بطريقته.. هذا يعيد التأكيد بالنسبة إلي، أن “الشعر” كلمة غير واضحة، قد تعني أشياء عديدة لا علاقة بينها..

“ولأنني نادرًا ما أقول أي شيء

نادرًا ما أتذكر أي شيءٍ

ولأنني نادرًا ما أقول أي شيءٍ

ما كان هناك كان بالصدفة هناكَ

سوى خيالاتٍ لها هيئة مدنٍ وراء الليلِ

وخرائبٍ وراء المدنِ كلما اقتربتَ ابتعدتْ

وغيرَ ذلك ما قُلتِ كان يتدحرج في الجدار

شمسٌ زرقاءَ كانت تتدحرج في الجدارِ”.

مقالات ذات صلة

إغلاق