تحقيقات وتقارير سياسية

رؤية سياسية مرحلية مشتركة لـ (حزب الجمهورية) و(اللقاء الوطني الديمقراطي)

أصدرت هيئة العمل المشترك، في 23 حزيران/ يونيو، وثيقة مشتركة بين (حزب الجمهورية) و(اللقاء الوطني الديمقراطي)، تتضمن رؤية سياسية مرحلية مشتركة بين الجانبين.

الوثيقة هي نتاج جهد ونقاش جماعي شارك فيه أعضاء من (حزب الجمهورية) و (اللقاء الوطني الديمقراطي)، وتم طرحها بصيغتها النهائية، بعد أن خضعت لمراجعة وتدقيق شاملين.

تم طرح هذه الوثيقة للرأي العام، ولجميع القوى السياسية السورية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف إطلاق حوار ديمقراطي جدي حولها، انطلاقًا من أهمية ودور النقد في تحقيق الارتقاء والتطور، الأمر الذي يؤدي إلى وضع سورية مستقبلًا على مسار تحقيق الانتقال السياسي، والتغيير الوطني الديمقراطي.

تتضمن هذه الرؤية السياسية المشتركة مقاربات حول الواقع السوري الراهن، وتتألف من 5 أقسام هي: مسارات الثورة السورية، قضايا التنوع والتعددية، المرحلة الانتقالية، مسارات المستقبل، سورية المنشودة.

القسم الأول: مسارات الثورة السورية وأخطائها

يتضمن ثلاثة محاور:

المحور الأول يتناول مشكلات الوعي والممارسة وهي:

1ــــ ضعف الفكر والتنظيم والتقاليد السياسية

حيث أثبتت المعارضة السياسية عدم قدرتها على مواجهة النظام برؤى وخطط واضحة ومحددة، إضافة إلى عدم تأهيلها سياسيًا وفكريًا وإعلاميًا وتنظيميًا.

2 ـــــ غياب البوصلة الفكرية السياسية

إن البوصلة السياسية لا تتشكل من دون رؤية فكرية سياسية، وأي ثورة هي في حاجة إلى الفكر والسياسة، وبناءً على ذلك؛ لم تستطع أحزاب المعارضة التقليدية التي هشمها الاستبداد، أن تشكل مثل هذه البوصلة الضرورية، كما لم تستطع أن تقوم بهذا الدور التشكيلات المختلفة، من ائتلافات وهيئات ومجالس واتحادات ومنابر، كونها برزت بشكل اعتباطي وارتجالي؛ ما أدى إلى شيوع حالة الفوضى وتشوش الرؤية.

3 ــــ ضعف الثقافة الديمقراطية:

ذكرت الوثيقة أن الثقافة السياسية للمعارضة السورية نمت في ظل الاستبداد، ما جعل دورها سلبيًا في مسيرة الثورة. وحمّلت الوثيقة جميع القوى السياسية، مسؤولية تأهيل إعادة ثقافة المعارضة وفكرها لتتوافق مع القيم والمبادئ الديمقراطية، وأداء دور رئيس في تعميم الثقافة التنويرية في المجتمع.

4 ـــــ غياب التنظيم وخطط العمل

اعتبرت الوثيقة أن هذه المسألة هي من نقاط الضعف الملازمة للثورة، منذ بدايتها حتى اللحظة. إذ إن نمط العمل السياسي المسيطر هو العمل على “السبحانية”، حيث لا وجود للخطط ولا لترتيب الأولويات ولا للحساب الزمني ولا للعلاقات المدروسة ولا حتى للتأمل ومراجعة الأداء.

5 ـــ افتقاد التواضع بمعانيه الأخلاقية والسياسية

دلّت المنازعات التي حصلت على مستوى المعارضة، على قصر النفس وعدم الثقة بالذات وعدم الدراية بمسارات تطور التاريخ. والتواضع، بمعانيه الأخلاقية والسياسية، بداية جيدة للعمل المشترك والجماعي، وهذا يعني ضمنًا ضرورة أن نترك للمستقبل مهمة تحديد قيمة أدوارنا جميعًا وفاعليتها، والانطلاق نحو التركيز على خدمة الهدف والعمل المشترك.

6 ـــ ظواهر فردية مدمِّرة

كشفت سنون الثورة عن نواقص وثغرات وعيوب عديدة في المعارضة السياسية بالمجمل، ومنها: ظاهرة الكل ضد الكل، وحملات تشهير دائمة على مستوى الكتل السياسية والأفراد، وظاهرة الذات الفردية التي تضع نفسها فوق الجماعة والبلد والثورة.

تحدثت الوثيقة، في المحور الثاني لمسارات الثورة، عن الخطاب السياسي للمعارضة السورية، واصفة إياه بالخطاب غير السياسي وغير الوطني، وله عدة تجلّيات:

1 ـــ خطاب شعبوي

رأت الوثيقة المشتركة أن ليس من مهمة المعارضة انتهاج خطاب شعبوي هاجسه كسب الشارع بأي طريقة كانت، فأي قول للشعب هو قول غير نهائي، داعيةً إلى ضرورة التمييز بين “الانحياز للشعب” و”الشعبوية”.

2 ـــ خطاب أيديولوجي

لغة السياسة يجب أن تتجاوز لغة الدعوة الأيديولوجية، إلى دراسة منطق الواقع واتجاهاته وميوله وإمكاناته، وتأخذ في الحسبان البشر وطاقاتهم وأفكارهم والعقبات القائمة والآليات الملائمة.

3 ـــ خطاب طائفي

ذكرت الوثيقة أن النظام السوري هو المولِّد الأساس للتفكير الطائفي والمصدر الأول للممارسات الطائفية، فيما المصادر الأخرى تختص بها بعض أطراف المعارضة غير العاقلة التي تتعامل مع سلوك النظام بردّات فعل سطحية وغير متوازنة، وأنه لم يكن يومًا حاميًا للطائفة العلوية، بل كانت الأخيرة مأسورة لديه. لذا الخطاب الوحيد المقبول هو الخطاب الوطني، الذي يُفترض ألا يخضع لأي ابتزاز من أي نوع كان، ويكفيه الحفاظ على جوهره الوطني والعمل في الاتجاه الصحيح.

4 ـــ خطاب المظلوميات

ترى الوثيقة أن التوجهات المرتكزة على “المظلوميات”، معيقة لأي عمل وطني في أي مستوى كان، فهي تخلق حواجز دائمة بين البشر، وتمنع تواصلهم وتشاركهم في تجاوز محن الحاضر وفي بناء المستقبل، فضلًا عن أنها تعمي البصر والبصيرة عن رؤية الواقع المتحول.

تناول المحور الثالث، الأوهام السياسية التي سيطرت على عقول المعارضة السورية، وشكلت عقبات جدية أمام إنجاز تحليل صائب وممارسات واقعية مفيدة، وذلك بحكم ضعف قراءتها التاريخية والسياسية للواقع السوري والعلاقات الإقليمية والدولية، ومنها:

1- وهم حدوث تدخل عسكري خارجي أميركي بالمعنى المباشر لمصلحة الثورة السورية، ما وضع المعارضة دائمًا في حالة انتظارية غير فاعلة.

2– وهم بقدرة فصائل المعارضة المسلحة على الحسم العسكري، من دون وجود توافق دولي إقليمي، ومن دون تغيير خطابها وتطلعاتها، فضلًا عن اندراجها في جيش حقيقي منظم.

3– وهم الاعتقاد بأن الوضع في سورية هو حرب طائفية أو مذهبية.

4– وهم إمكانية ذهاب أي طرف من أطراف المعارضة إلى التفاوض مع النظام، من دون حفظ الحد الأدنى من تطلعات الثورة السورية.

5– وهم الاعتقاد بإمكانية إقامة دولة إسلامية أو دولة خلافة في سورية. فالنمطان الوحيدان اللذان يستطيعان جمع السوريين بتنوعهم الكبير هما الدولة الوطنية الديمقراطية والدولة الاستبدادية.

القسم الثاني: القضية الكردية في سورية، ويتضمن:

أولًا: المقدمة، وتتضمن حديثًا عن الظروف التاريخية للقضية الكردية، والتوازنات والنزاعات الإقليمية المحيطة بها، وأن حلّ القضية الكردية، كقضية قومية عامة، ليس مرتبطًا بسورية وحدها ولا بالعرب كلهم، إلا في حدود معينة، وإلا كطرف من عدة أطراف.

كذلك أشارت المقدمة إلى عدم إمكانية تحميل السوريين مسؤولية ما لاقاه الكرد في سورية، من عسف وظلم على يد النظام السوري، الذي فرض العزلة وعدم التواصل على الجميع.

ثانيًا: رؤية حزب الجمهورية واللقاء الوطني الديمقراطي إلى قضية الإثنيات والاندماج الوطني

تطرق هذا القسم إلى الأقلية والأكثرية ومفهوم الشعب، والمواطنة وحقوق الجماعات، والوحدة الوطنية والاندماج الوطني، إضافةً إلى مفهومي العروبة والكرديّة، وحق تقرير المصير، والعصبيات والتنظيمات السياسية الحديثة.

ثالثًا: سورية المنشودة والقضية الكردية: وتتضمن عدة منطلقات نذكر منها:

1– تشكّل الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة الإطار السياسي والحقوقي الأرقى لتنظيم الحياة العامة في سورية.

2- أيّ نظامٍ سياسي يستمد شرعيتَه من هيمنة أغلبية دينية، أو طائفية، أو أيديولوجية عرقية، إنما يقوّض الديمقراطية وينتهكُ كلَّ نزوعٍ نحو المساواة.

3– تاريخ سورية ليس تاريخ عرق بعينه أو دين أو مذهب دون سواه، بل هو تاريخ كل هذا التنوُّع الثقافي والسياسي والديني والاجتماعي.

4– أمام الدولة السورية هناك شعب سوري، ومواطن سوري: وهذه الثلاثية هي أساس ومنطلق التعاطي مع أي قضايا أو إشكالات مطروحة على السوريين.

رابعًا: السريان الأثوريون

رأت الوثيقة أن ما ينطبق على المسألة العربية، والكردية، والإثنيات السورية المتنوعة، ينطبق على الأثوريين السوريين أيضًا. معتبرةً أن هذا التصور هو نقلة حضارية ضرورية من الانغلاق إلى التعددية، بوصفها مبدأً فكريًا وديمقراطيًا يقوم عليه المجتمع والدولة.

القسم الثالث رؤية (حزب الجمهورية) و(اللقاء الوطني الديمقراطي)، للمرحلة الانتقالية والعدالة الانتقالية. واستعرض هذا القسم أهداف المرحلة الانتقالية، والدعم المطلوب إقليميًا ودوليًا لهذه المرحلة، وأن يكون الانتقال السياسي الهدف الرئيس للتفاوض مع النظام. وضرورة أن يبدأ بتأسيس هيئة الحكم الانتقالي. وأن يشمل التمثيل السياسي جميع المحافظات السورية، دون الارتكاز على اعتبارات طائفية.

أكدت الوثيقة، في هذا القسم أيضًا، ضرورة رحيل النظام بسبب ارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وأن بقاءه سيجعل تحقيق إجماع وطني سوري أمرًا مستحيلًا، إضافة إلى التشجيع على العنف واستحالة محاربة الإرهاب. كما أن وجود النظام يقدم صورة شائنة عن عدم اعتراف العالم بحقوق الإنسان.

حددت الوثيقة الفترة الزمنية للمرحلة الانتقالية بسنتين، تتضمن مرحلة تمهيدية، تليها مرحلة تهيئة عوامل الاستقرار، ومن ثم مرحلة تأسيس الدستور والبرلمان الجديد، وأخيرًا مرحلة الانتخابات الرئاسية.

القسم الرابع: مسارات المستقبل واحتمالاته

ناقش هذا القسم تداعيات المشهد المرحلي، والمهمات الاستراتيجية الواجب وضعها على جدول أعمال الحركة السياسية والمجتمع المدني، كتوفير مساحة أخلاقية ملائمة للحوار والنقاش العام، ووضع رؤى مستقبلية ممكنة التطبيق، وبناء الثقافة الوطنية على مبدأ الاختلاف والحرية، ومواجهة الخطاب الطائفي واستغلال الدين.

القسم الخامس: سورية التي نريد

يتضمن توضيحًا لعدد من المرتكزات والمنطلقات، كالدولة الوطنية أو الحيادية، وهوية ونمط الدولة المنشودة، وهو نمط الجمهورية المستقلة ذات السيادة، ويحكمها دستور لا ينص على أي نوع من أنواع التمييز، وتقوم على اعتبار الحريات أساس المواطنة، واعتماد حقوق الإنسان مبدأً ومرشدًا ومعيارًا، وضمان مساواة المرأة للرجل في جميع الحقوق والواجبات، والاعتراف بالتنوع الثقافي والعرقي والديني، والتعددية السياسية والعدالة وتكافؤ الفرص، واعتماد مبدأ اللامركزية واستقلال القضاء، والشفافية والعلنية والمحاسبة، وحرية الصحافة والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، ودمج أجهزة الأمن في مؤسسة واحدة محددة المرجعيات، وإقامة علاقات عربية ودولية، على مبدأ تحقيق مصالح الشعب بالدرجة الأولى. (ن. أ)

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق