تحقيقات وتقارير سياسية

أردوغان وإينجة أقوى من حزبيهما

حصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على نسبة من الأصوات تقرب من 10 في المئة، من أصوات الناخبين في السباق الرئاسي، أكثر مما حصل عليه حزبه (حزب العدالة التنمية) في السباق البرلماني. كذلك حصل مرشح حزب الشعب الجمهوري محرم إينجة، على نسبة تقارب 8 في المئة أكثر مما حصل عليه حزبه في السباق البرلماني.

على العكس، حصل مرشح حزب الشعوب الديمقراطي للرئاسة صلاح الدين دمرطاش، على نسبة تقارب 3.26 في المئة أقل مما حصل عليه حزبه في السباق البرلماني. كذلك كان وضع مرشحة (الحزب الصالح) ميرال أكشينار، حيث حصل حزبها في السباق البرلماني على نسبة أكبر مما حصلت عليه في السباق الرئاسي، بأكثر من نقطتين مئويتين.

تحضر هذه المقارنة، بسبب تزامن السباقين الرئاسي والبرلماني، ولأن الأحزاب المذكورة حققت المطلوب ودخلت البرلمان بتحقيقها نسبة 10 في المئة على الأقل من أصوات الناخبين، أو حقق لها التحالف مع أحزاب أخرى ذلك (الحزب الصالح). لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة: لماذا لم تتطابق شعبية زعيم الحزب، أو مرشحه، مع شعبية الحزب نفسه؟ ولماذا اختار الناخب التصويت هنا للمرشح للبرلمان من حزب معين، واختار هناك التصويت لمرشح رئاسي من لون مختلف؟

بالنسبة إلى كل من أردوغان وإينجة، يبدو الفرق كبيرًا بين ما حصلا عليه في السباق الرئاسي، وما حصل عليه كل من حزبيهما في السباق البرلماني، خاصة أننا نتحدث عن كتلة ناخبة تناهز 60 مليون تركي، وعن نسبة مشاركة تجاوزت 87 في المئة، أي عن ملايين الناخبين الذين مزجوا بين خياراتهم السياسية الآنية، والتاريخية، حتى أيد أحدهم أردوغان كرئيس، واختار مرشح (حزب الشعوب الديمقراطي) للبرلمان، أو مرشح (حزب الشعب الجمهوري) للبرلمان، أو غيرهما.

هذا الحديث كان منظورًا سلفًا في قراءات استطلاعات الرأي المتعددة قبل الانتخابات، التي دارت حول موقف المحافظين، وصوتهم الوازن في ترجيح كفة المرشح الرئاسي أردوغان، وفي الوقت نفسه اتجاههم إلى معاقبة هذا المرشح، أو تذكيره بالمحافظة على الديمقراطية، بالتلويح له للمرة الأخيرة، ربما، كي يعتدل في حكمه، خاصة بعد الصلاحيات شبه المطلقة التي سيعطيه إياها النظام الرئاسي الذي سيبدأ فور تفعيل نتائج هذه الانتخابات، في الثاني من تموز/ يوليو المقبل.

هؤلاء المحافظون، حتى من الأكراد، أعطوا أصواتهم لأردوغان، فكانت نتيجة حزب دمرطاش النيابية أفضل من سجل أصواته في السباق الرئاسي. لكن المحافظين الكرد لم يحرموا ممثلهم من احتلال المركز الثالث في الندوة النيابية باحتلال 67 مقعدًا، وهي أفضل من نتيجة الحزب اليميني العريق في تطرفه (حزب الحركة القومية)، وأفضل من نتيجة (الحزب الصالح) الذي دخل البرلمان في أول مشاركة انتخابية له مستفيدًا من تحالف الأمة الذي ضمن لحزب ميرال أكشينار الدخول في البرلمان، على الرغم من عدم تجاوز الحزب عتبة العشرة في المئة من الأصوات اللازمة لدخول البرلمان.

بالطبع، يجب التأكيد على أن الأحزاب لا تفوز في الانتخابات بأصوات أعضائها فقط، وأن أهواء الناخبين وخياراتهم تتغير حسب برامج الأحزاب، والشخصيات التي يقدمها كل حزب، وتاريخ كل حزب. كما أن الخيارات تختلف من دورة انتخابية إلى أخرى، بفعل قوة الحياة، وتجدد شباب الأحزاب ومبادراتها، أو إصرار أخرى على الإيغال في الشيخوخة، كما يحدث مع حزب الشعب الجمهوي، الذي خسر رئيسه كمال كليتشدار أوغلو، أمس، تاسع استحقاق انتخابي أمام حزب العدالة والتنمية، ولا يزال على رأس حزبه. والوحيد الذي انتصر عليه كليتشدار أوغلو هو محرم إينجة، في آخر انتخابات على رئاسة الحزب.

وفي هذه الانتخابات التي يحقق فيه أردوغان وحزبه الانتصار الخامس عشر على التوالي منذ عام 2002، على الأحزاب المعارضة منفردة ومجتمعة، يتجدد البحث في الأسباب التي جعلت المعارضة تتذوق كل تلك الخسارات، من دون أن تجد الوسيلة للتفوق على أردوغان وحزبه.

وللتذكير فقد بدأت الأحزاب المعارضة، فور الإعلان عن الانتخابات المبكرة، البحث عن مرشح واحد لمجابهة مرشح تحالف الشعب أردوغان، وبدأ الكلام على اختيار الرئيس السابق عبد الله غُل، لكن إصرار ميرال أكشينار على ترشيح نفسها أفشل الفكرة. من ثم اتجه التفكير إلى ترشيح عدد من الأحزاب شخصيات وازنة، تكون مهمتها تشتيت الأصوات وجر الانتخابات إلى جولة ثانية، يتنافس فيها أردوغان مع محرم إينجة. لكن نتائج الأمس أظهرت فشل هذه المحاولة.

نتائج الأمس تعيدنا إلى عام 2014، حين اتفقت كل الأحزاب المعارضة، ومن ضمنها حزب الحركة القومية، على ترشيح الرئيس السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو، لمواجهة أردوغان، وحقق وقتئذ أردوغان نسبة 51.8 في المئة من أصوات الناخبين، بينما تحصل إحسان أوغلو على نحو 38 في المئة من الأصوات (حصل دمرطاش على حوالي 9 في المئة).

ولو جمعنا مجموع أصوات المرشحين الرئاسيين في مواجهة أردوغان في انتخابات الأمس، عدا دمرطاش؛ فالنتيجة تجاوزت 40 في المئة بقليل، ما يعني أن مواجهة أردوغان بمرشح واحد (2014)، أو محاولة تشتيت الأصوات لجره إلى جولة ثانية (2018)، لم تعط النتيجة المطلوبة. وكان الاحتمال الوحيد لتحقيق المعارضة نتيجة أفضل هو التحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي، لكن دون هذا التحالف إرث كبير من العداء، بين حزب الشعب الجمهوري والحركة الكردية في تركيا.

مقالات ذات صلة

إغلاق