ترجمات

حذف تفاصيل مروعة حول الهجمات الكيمياوية في سورية من تقرير الأمم المتحدة

الصورة: حيٌّ مدمر في الغوطة الشرقية في آذار/ مارس، بعد أيام من قيام القوات الحكومية السورية باستعادته من المتمردين. قصف مكثف -غارات جوية روسية وسورية- أسفر عن مقتل 1100 شخص في المنطقة خلال أقل من شهر، حسب ما توصلت إليه لجنة تابعة للأمم المتحدة. وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي  

على الأقل مرتين هذا العام، أطلق الجيش السوري قذائف مدفعية إيرانية الصنع مملوءة بمواد شبيهة بالكلور نثرت السم ببطء، حيث لا تترك للضحايا سوى دقائق للنجاة.

في هجوم آخر، ألقت القوات السورية قنبلة كيمياوية على شرفة في الطابق العلوي من مبنى سكني؛ ما أسفر عن مقتل 49 شخصًا، بينهم 11 طفلًا. أجسادهم صارت زرقاء.

هذه التفاصيل وغيرها التي تُحمّل الحكومة السورية المسؤوليةَ عن ارتكاب فظائع في الغوطة الشرقية، إحدى ضواحي دمشق، كشفت عنها لجنة تابعة للأمم المتحدة تقوم بالتحقيق في جرائم الحرب المحتملة وتوثيقها، في الصراع المستمر منذ سبع سنوات. لكن عندما أصدرت اللجنة تقريرها يوم الأربعاء 20 حزيران/ يونيو، حُذفت التفاصيل. حيث اختُصرت سبع صفحات كانت في مسودة سابقة، وقُدّمت إلى صحيفة (نيويورك تايمز)، إلى فقرتين في الوثيقة النهائية.

درس تقرير اللجنة كيف استعادت حكومة الرئيس بشار الأسد الغوطة الشرقية، معقل المتمردين بالقرب من العاصمة، في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2018. فرضت قوات الأسد الحصار على المنطقة، باستخدام القصف والتجويع الجماعي والأسلحة الكيمياوية.

المواد الموجودة في المسودة التي سُربت ترسم صورة مخيفة لاستخدام الأسلحة الكيمياوية في الغوطة الشرقية أكثر مما ذُكر سابقًا. وتؤكد من دون أدنى شك أن القوات السورية وحلفاءها هم المسؤولون، مما يدحض النفي المتكرر لحكومة الأسد، ومؤيديه في روسيا وإيران.

أحد أعضاء اللجنة شرح عمليات الحذف، قائلًا إن العديد من التفاصيل في المسودة المبكرة تحتاج إلى المزيد من التأكد أو التوضيح، وربما تُضمّن في تقريرٍ آخر، ربما بحلول أيلول/ سبتمبر. وقال هاني مجلي، المحامي المصري في مجال حقوق الإنسان، إنه لم يكن هناك أي ضغوط خارجية لحذف المعلومات.

وأضاف مجلي: “اعتقدنا أننا بحاجة إلى القيام بمزيد من العمل حول هذا الأمر، إنه تحقيق مستمر، لذلك فكرنا، بأن نختصره”. لكن الاستنتاجات من المعلومات المحذوفة بدت واضحة.

المشروع المسرب نصَّ:

“في واحد من أشد أنماط الهجوم بشاعة، وُثّق خلال الفترة قيد التحقيق، استمرت القوات الحكومية و/ أو الميليشيات التابعة لها في استخدام الأسلحة الكيمياوية في المناطق المدنية ذات الكثافة السكانية العالية، في جميع أنحاء الغوطة الشرقية”.

بتفصيل دقيق، عدّدت المشاريع ستَّ هجماتٍ بالأسلحة الكيمياوية على المدنيين من كانون الثاني/ يناير حتى 7 نيسان/ أبريل، وهو تاريخ أكثر الهجمات دموية. وأول ما بدا منها أن إيران تورّطت في تقديم الأسلحة.

في الهجمات التي وقعت في 13 و22 كانون الثاني/ يناير و1 شباط/ فبراير، قالت المسودة إن القوات الحكومية أطلقت عوامل كيمياوية، “على الأرجح، أنها الكلور”، على منطقة سكنية في دوما شرقي الغوطة، بالقرب من ملعب رياضي، على بعد 800 ياردة تقريبًا عن الخطوط الأمامية، بين الساعة 5 صباحًا والساعة 6,30 صباحًا.

وقالت المسودة إن بعض الشهود وصفوه بأنه “عامل بطيء المفعول”، كانت رائحته مثل الكلور، وكان لديهم الوقت الكافي “لإيقاظ الضحايا، والحصول على ملابس رطبة لتعمل كأقنعة مؤقتة، وإخلاء المناطق المتضررة”.

في الهجمات التي وقعت في 22 كانون الثاني/ يناير و1 شباط/ فبراير، قالت المسودة إن لدى اللجنة أدلةً تحدد القنابل المستخدمة بأنها صواريخ أرض-أرض تنتجها إيران كصواريخ مدفعية، “ومعروفة بأنه لا تستخدمها سوى القوات الحكومية، ونادرًا، الميليشيات التابعة لها”.

“في ما يتعلق بالذخائر المستخدمة في 22 كانون الثاني/ يناير و1 شباط/ فبراير، حصلت اللجنة على الأدلة المادية، وقامت بتقييمها بما في ذلك تحليل البيانات الوصفية، وحددت أن الصاروخ المستخدم من نوع أرض -أرض (IRAM). وعلى الرغم من أن هذه الصواريخ تُستخدم من قبل مجموعة من الفاعلين في سورية، فإن التصميم الخاص الذي لوحظ خلال هذين الهجومين معروف أنه يُستخدم فقط من قبل القوات الحكومية، ونادرًا، من الميليشيات التابعة لها. على وجه التحديد، هذه الصواريخ هي صواريخ مدفعية إيرانية تم تزويدها لقوات الحكومة السورية”.

وقالت المسودة إن هجمات الغوطة الشرقية اتبعت “نمطًا سبق أن وثقته اللجنة متعلقًا باستخدام القوات الحكومية للأسلحة الكيمياوية”، ولم يشر أي منها إلى “تورط الجماعات المسلحة”.

واحد وثلاثون شخصًا، منهم 11 طفلًا، أُغمي عليهم في الهجمات الثلاثة الأولى، ولكن لم يمت أحد. استخدامان آخران محتملان للكلور، في 25 شباط/ فبراير و7 آذار/ مارس، تسببا في وقوع إصابات أكثر، حيث قُتل طفلان، أحدهما رضيع، وأُصيب 18 مدنيًا.

الأسوأ هو ما حصل بعد؛ ففي أعقاب انهيار المفاوضات بين المسؤولين العسكريين الروس، وجيش الإسلام، لإخلاء دوما، وإنهاء الحصار. في 7 نيسان/ أبريل، قالت المسودة إن عبوة ناسفة أُسقطت من الجو أصابت مبنًى سكنيًا متعدد الطوابق على بعد 200 ياردة تقريبًا من مشفى ريف دمشق، وهو آخر مشفى يعمل في دوما.

ووصفت المسودة المادة المتفجرة بأنها “أسطوانة غاز صناعية واحدة” لها أجنحة/ زعانف ضربت شرفة الطابق العلوي، ويبدو أنها “أطلقت كميات كبيرة من مادة ضمن الفضاء الداخلي لمبنى سكني”.

“إن الوضعيات والأعراض الجسدية التي ظهرت على ضحايا الهجوم تدعم ادعاءات الشاهد بأن العامل ذو مفعول سريع”، كما ورد في المسودة، “ومن المرجح أنها تشير إلى أن تركيزات عالية من المادة الكيمياوية قد أُلقيت”.

وبناءً على إفادات الشهود، و”الأدلة المادية المستلمة، التي تم تحليلها من قبل اللجنة”، نصّت المسودة على أن الموتى أظهروا “مجموعة من الأعراض تتوافق مع التعرض لعامل خانق، منها علامات على الإرغاء من الفم والأنف، كما يشير ازرقاق الجلد إلى ضعف الدورة الدموية، والانقسام الاختزالي (انقباض التلاميذ)، وكذلك بعض حالات التلاميذ المتوسعة (مفتوحة بشدة)”.

“كشفت البيانات والأدلة المادية التي تلقتها اللجنة المتعلقة بالموتى داخل المبنى السكني، وحللتها عن مجموعة من الأعراض تتفق مع التعرّض لعامل الاختناق، منها علامات الإرغاء من الفم والأنف، وازرقاق الجلد الذي يشير إلى ضعف الدورة الدموية، والانقسام الاختزالي (انقباض التلاميذ)، وكذلك بعض حالات التلاميذ المتوسعة (مفتوحة بشدة). العديد من الضحايا كانوا غير القادرين على الفرار من المبنى بعد تعرضه للهجوم بوقت قصير”.

رفض السيد مجلي الخوض في التفاصيل، حول سبب حجب هذه المعلومات عن التقرير الذي نشر يوم الأربعاء. لكنه قال: في ما يتعلق بهجوم 7 نيسان/ أبريل على وجه التحديد، هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات، ومنها تحديدًا ما الذي قتل 49 شخصًا.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/22-2.jpg’ attachment=’120724′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

مخيم للنازحين داخليًا في شمال سورية. حيث نزح أكثر من 140,000 شخص من الغوطة الشرقية، منهم عشرات الآلاف ما زالت الحكومة تحتجزهم. ليفتيريس بيتاراكيس/ أسوشيتد برس

وقال مجلي: “ما لم نكن متأكدين من سبب الوفاة، فقد نبحث في المكان الخطأ، من الأفضل أن ننتهي من التحقيق، بدلًا من إطلاقه بطريقة غير دقيقة”.

كانت النسخة الرسمية من التقرير حذرةً جدًا، بشأن حوادث الأسلحة الكيمياوية موضوع التحقيق. في الهجومين، على سبيل المثال، قال التقرير إن اللجنة “غير قادرة على الحصول على أدلة مادية كافية لتحدّد بشكل قاطع أنظمة الأسلحة المستخدمة”.

في حين أن الظروف في هجوم 7 نيسان/ أبريل “تتفق إلى حد كبير مع استخدام الكلور”، كما قالت، كانت الأعراض أكثر اتساقًا مع استخدام “عامل كيمياوي آخر، على الأرجح إنه غاز الأعصاب”. كما دانت الرواية الرسمية أيضًا قوات المتمردين للقصف العشوائي للمناطق المدنية.

طورّت اللجنة، التي تقوم بتجميع الأدلة بخصوص الفظائع في الصراع السوري، منذ فترة قصيرة بعد اندلاع الحرب في عام 2011، مجموعةً واسعةً من الطرق لجمع المعلومات، على الرغم من أن الأسد لم يسمح لمحققيها بالدخول إلى البلاد. وبقيادة باولو سيرجيو بينهيرو، وهو دبلوماسي برازيلي وناشط في مجال حقوق الإنسان، قامت اللجنة بتجميع قائمة سرية من المسؤولين السوريين وغيرهم، ممن قد يخضعون للمحاسبة في محكمة في يوم من الأيام.

شاركت اللجنة، في المسودة السابقة لتقريرها حول الغوطة الشرقية، شخصًا مقربًا منها، كان مستشارًا بشأن التقرير، ورفض الكشف عن هويته.

أشار التسريب إلى بعض الخلاف الداخلي في اللجنة حول قوة أدلتها المتعلقة باستخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيمياوية في الغوطة الشرقية. ومن الممكن أيضا أن اللجنة أرادت توخي الحذر قبل تقرير متوقع عن هجوم 7 نيسان/ أبريل في دوما، من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية، التي أرسلت المحققين إلى الموقع.

الأسلحة الكيمياوية محظورة، بموجب معاهدة دولية وقعها الأسد تحت الضغط في عام 2013، عندما اتُّهمت حكومته لأولّ مرّةٍ باستخدام الأسلحة الكيمياوية في الصراع، وأيضًا في الغوطة الشرقية.

أثار هجوم 7 نيسان/ أبريل في دوما غضبًا دوليًا واسعًا، لا سيما أن العديد من الضحايا كانوا فيما يبدو أطفالًا ظهروا مختنقين وهم يضحكون، استنادًا إلى مقاطع الفيديو التي نشرها الشهود والناشطون. هذا الهجوم الذي أدى إلى ضرباتٍ صاروخية انتقامية وضربات جوية من قبل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

سعت حكومة الأسد، المدعومة من روسيا وإيران، إلى التشكيك في هجوم دوما، مشيرةً إلى أنه كاذب أو نفذّه المتمردون.

استولت الحكومة السورية وحلفاؤها على الغوطة الشرقية قبل شهرين، بعد فرض ما وصفه تقرير اللجنة بأنه “أطول حصار في التاريخ الحديث”، مما أدى إلى نزوح أكثر من 140 ألف شخص من منازلهم، وإطلاق العنان للقصف الذي دمر المستشفيات والأسواق والمدارس، وإجبار السكان على العيش في الأقبية والطوابق السفلية.

وقالت اللجنة في تقريرها، الذي سيتم تسليمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الأسبوع المقبل: إن عمليات القصف تلك -وهي بشكل رئيس الغارات الجوية التي شنّتها الطائرات السورية والروسية- أسفرت عن مقتل 1100 مدني، وجرح 4000 آخرين، في أقل من شهر ابتداءً من 18 شباط/ فبراير.

لا يزال عشرات الآلاف ممن هربوا محتجزين بصورة غير قانونية من قبل الحكومة، التي اتبعت سياسة الاحتجاز الشامل، حيث وصفتها اللجنة بأنها “سياسة مدانة”.

الحصار مسموح به بموجب القانون الدولي الإنساني. لكن في خروج عن الممارسة المتبعة، قالت اللجنة إنها تنظر في الطريقة التي اتبعت بها القوات الموالية للحكومة حصار الغوطة الشرقية بشكل غير قانوني.

وخلصت اللجنة: “إن بعض الأفعال التي ارتكبتها القوات الموالية للحكومة، خلال الحصار المفروض على الغوطة الشرقية، ومنها التجويع المتعمد للسكان المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية، وهي أفعال غير إنسانية، حيث سببّت معاناة عقلية وجسدية خطيرة”.

 

اسم المقالة الأصلي Horrific Details on Syria Chemical Attacks Left Out, for Now, From U.N. Report
الكاتب ريك غلادستون وماغي هابيرمان، Rick Gladstone and Maggie Haberman
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Tımes، 20/6
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/06/20/world/middleeast/un-syria-eastern-ghouta.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fmiddleeast
عدد الكلمات 1495
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

مقالات ذات صلة

إغلاق