هموم ثقافية

موسم المسلسلات التلفزيونية الذي انتهى

إذا لم ينتصر (الفن) للإنسان فلمن ينتصر؟ للوحوش الضارية التي تفترس روحه وجسده! وفوقها تجيء (الدراما) السورية، من مسلسل “الهيبة”، وإن كان إنتاجًا مشتركًا، إلى “تانغو” و”الواق واق” و”وردة شامية” و”روزنا”، إلى مسلسل “رائحة الروح” و “وهم” و”هارون الرشيد”، فتدقَّ عظامه وتذروها في الهواء! ثمَّ ما هذا –الهارون الرشيد- في الدور الذي أدَّاه قصي خولي: بائع سمك، سمسار عقارات، نجَّار بيتون، نخَّاس؟ بالمقابل؛ ما هذا الدور المشبع بالجمال الذي أدَّاه فادي صبيح، كمصلِّح إطارات سيارات “كومجي” في مسلسل “فوضى”؟ ثمَّ ما هذه النصوص الدرامية المكتوبة بماء الوقاحة والاعتداء المبيَّت على عقلنا وحواسنا؟ ألا نخجل من سورية التي نتسمى باسمها ونسمي مُنتجاتنا باسمها؟ أما يزال يعتقد منتجو هذه المسلسلات، بأنَّ صناعة الدراما مثل صناعة الحذاء و”لفة” صندويشة الفلافل أو الشاورما، باعتبار أنَّ بعضهم جاء من هذه المهن ليستثمر أمواله؟

عندما تكتب نصًّا دراميًا؛ مسرحيةً أو مسلسلًا. يُفترض أن تذهب إلى المعرفة، المعرفة التي تملك القدرة على التجريد، لأنّ القبض على الجمال يتمُّ بأيدي الحواس وهي تربط وتركِّب أجزاء الجمال المتناثرة التي قطَّعتها سكاكين البشاعة؛ إذ من المضحك والمبكي معًا، أن نرى في مشهدٍ (ما) شخصًا ما، ينصح مريضًا بالقلب أو بالسرطان أن يتداوى عند المشعوذين والدجالين لا عند الأطباء، وحين يذهب ولا يجدُ شفاءً عندهم، يقوم أحدٌ ما فيقنعه بالذهاب إلى الطبيب رغم يأسه من الشفاء، وحين يأخذ الفاتورة -الراشيتة- من الطبيب، يتنطَّع أحدٌ ما فيُقنع المريض بأن يصرفها عند المقرئين والمرتِّلين لا عند الصيدلي، وبعد ذلك ينمو الفعل/ الصراع لتصير الدراما دراما. لكن هنا على الكاتب الدرامي أن لا يغفل بأنَّنا -المشاهدين- عندنا قناعة بأن ليس هناك من مفاجأة (إلهية) ستنزل كي يشفى مريض القلب أو مريض السرطان من مرضه، فلا يذهب إلى النهايات الخرافية، إذ لا أحدَ سيؤيّد المشعوذَ والدجَّالَ والنصابَ -إِنْ في السماء أو في الأرض- بمعجزة.

فالمؤلِّف حتى يبقى مؤلِّفًا عليه أن يميِّز وهو يكتب (دراماه) بين العلم والخرافة، فيفصل بين لحظتين، بين زمنين، بين عقليتين؛ بين جلادٍ ما وضحية ما، لا سيّما أنَّ الجلاد (ما) كان يلعب مع ضحية ما على أنَّه ضحية مثله، وذلك حتى ندرك خطرَ الجهل والخرافة فينقذنا من الضجر، لنذهب بعد ذلك إلى التأمل الجمالي بصفتنا شركاء في العملية الفنية، لأنَّنا كما مريض السرطان والقلب نحتاج إلى العلاج الذي في التأمل هذا، لنشفى، ولو قليلًا من الضجر والسأم.

باعتبار أنَّ الفن -بعامة- والصورة السينافيزيونية -بخاصة- ولو أنَّها للاستهلاك، كما الطعام والشراب، لكنها توقظ الحلم، ومن ثمَّ الجمالَ الذي في الحق، فحين نتأسَّف أو نلعن أو نستنكر أو نستقبح أو نصرخ أو نستهجن أو نذرف الدموع أو نضحك أو نقفز من مقعدنا ونهجم باتجاه الشاشة؛ فلأننا قد اهتجنا واكتشفنا، بل قبضنا على جزءٍ من الفردوس المفقود.

المؤلِّف حين يبكينا ليس بالضرورة أنَّه حين كتب نصَّه كان يبكي، بل ربَّما كان يضحك، لأنَّه كان يخلق، كان يُبدع. ذلك أنَّ المؤلِّف لا يمكن أن يغيب عن نصِّه، لا يمكن أن يختفي حتى لو تعمَّد ذلك. فشخصياته تتكفَّل بحرارتها وبرودتها أن تحتفظ به- تحمله على ظهرها وتمشي فيه من أوِّل العمل إلى آخر الحياة. وعلى سبيل المثال، هل نستطيع أن ننسى شخصيات روائية مثل شخصية (زكريا المرسنلي) لحنا مينا، أو شخصية (مُتعب الهذَّال) لعبد الرحمن منيف، أو شخصية (حسن جبل) لفارس زرزور؛ أو شخصية (راسكينليكوف) لدويستوفسكي، أو شخصية (مدام بوفاري) لفلوبير، سواء كانت شخصيات ملائكية أو شيطانية؟ صحيح أنَّها شخصياتٌ من بنات الخيال، لكنَّها في الدراما، روايةً أو مسرحيةً أو مسلسلًا، هي شخصياتٌ حقيقية؛ تتألَّم، تفرح، تحقد، تثأر، تحب، تكره، تخادع، تقتل، تسرق، ترتكب المعاصي، تنام، تستيقظ، على أنَّها شخصيات تمَّ صنعها من أكاذيب، إنَّما تحوَّلت بفضل هذا الكاتب الدرامي إلى حقائق، مثل شخصية “الكومجي” لفادي صبيح في مسلسل (فوضى) إخراج سمير حسين، وكأنَّ الكاتب هنا بقدر ما يكذب بقدر ما يصدق.

إنَّها الكتابة، الكلمة حين تكون فوق في الرأس، وتنزل إلى اللسان وتفلت/ تسرح، فتثير أكثر عددٍ من الصور وأكبر قدرٍ من الانفعالات، وإلا فلنكفَّ عن الكتابة. من يقرأ الكتابة، الكلمات التي تُصنع منها “درامانا” يُدرك أنَّها لا تحتوي على قدر من العُصاب الذي يغوينا ويغرينا بسماعها، لأنَّ أكثرها لا يذهب إلى تصوير الفعل الدرامي فتساعد على بناء المشهد. أنت ترى الممثِّل في مشهد خارجي أو داخلي مستلقيًا، قاعدًا، واقفًا، يمشي…. إلخ، وهو يدفعُ الكلمة دفعًا من فيهِ، وكأنَّها حملٌ ثقيلٌ يجب أن يتخلَّص منها لينتقل إلى المشهد التالي، فلا يبذل أي طاقة فيزيولوجية ودماغية، فيشدَّنا من البارد إلى الساخن، ومن أسفل إلى أعلى. لأنَّها كلمات لا تؤسِّس لمعنى/ لتواصلٍ، لبناءِ صورة. وكأنَّنا مع كلمات يتمُّ حشوها، لصقها في اللسان، فلا تنزل من فوق، من الرأس.

أي حربٍ قامت أو تقوم، ألا تدشِّنُها الكلمات، ثمَّ نرى بعدها المعارك التي تخلو حتى من الكلمات التي سبَّبت الحرب! أي علاقة حبٍّ أو غرامٍ بين ذكرٍ وأنثى، ألا تدشِّنها الكلمات؟ أي علمٍ يُنتفعُ أو يُضرُّ به، ألا نبدأه بالكلمات؟ أي جريمة؟ أي خصومة/ زعل بين صديقين أو أخوين، ألا تكون من كلمات. ثمَّ، ثمَّ حين ندشِّن سِلمًا أو سلامًا، ألا نعود إلى الكلمات؟

كُتَّابُنا -ربَّما بعضهم- لم يدرسوا عِلْمَ كتابة السيناريو، لكن وهم يكتبون أعمالهم فلا يقطعون الشعرة ما بين البطل الحقيقي وبطل الورق، سواء كان بطل لعبة كرة قدم أو مصارعة حرَّة، أو بطل حرب جاء بالنصرَ لنا. لأنَّنا في الدراما نكتب عن البطل (النموذج) ليس لنمجِّده ولكن لنبعثه (يُبعث من جديد، حتى وإن لم يكن من سلالة النبلاء) أي من عامَّة البشر، وإلاَّ فإنَّهم يمارسون عدوانًا على مشاعرنا، على حواسنا وعلى عقلنا.

أليست الكلمة، حين تمرُّ على اللسان، حين تكون بذيئة أو قاسية –وما أكثر استعمالها في درامانا- تجرحنا؟ كيف يسمح كاتب السيناريو لنفسه أن يهيننا؟ ألم يتذوَّق طعم الكلمة هذه على بذاءتها، لو أنَّ أحدًا خاطبه أو نعته بها. هل ماتت الكنايات والاستعارات واللعب بالكلمات، هذا اللعب الذي يُولِّد المعاني والمعاني التي تهزُّ الوعي، كلمات تباغتنا، تفاجئنا فتغلي/ توقظ مشاعر الحياة بأعماقنا فلا تتخشَّب، أو نبتلع لساننا فلا نحكي، وإن حكى أحدٌ معنا فلا نسمع، وفوقها لا نشوف.

مقالات ذات صلة

إغلاق