أدب وفنون

التحليل النفسي: هوامات وصراعات وهوس في التأسيس

هل هناك فعلًا علم خاص يدعى التحليل النفسي؟

هذا السؤال، لن يبرح الذهن أبدًا، أثناء قراءتنا لكتاب مصطفى صفوان (التحليل النفسي، علمًا وعلاجًا وقضية) الصادر بطبعته العربية عن هيئة البحرين للثقافة والآثار 2016، وكأن صفوان يدرك أن هذا السؤال حتمي لكل قارئ لهذا الكتاب، فيعلنها صراحة في آخر الصفحات الـ 500 (ممارسة التحليل النفسي هي فنّ، يتوقف في نهاية المطاف، على قدرة الممارس على تحليل المعنى، وعن الآثار المؤسسة التي يحملها الكلام، وهو مما لا يتم تعلمه)، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقول: (التحليل النفسي، حسب علمي، هو المهنة الوحيدة التي تمارس، من دون أن نكون مؤهلين من خلال إعداد مقنن).

هذا كلام الرجل التسعيني، الذي يعدّ آخر الرواد العمالقة في التحليل النفسي، بعدما استفاض في كتابه، بالشرح المفصل عن  تاريخ هذا (العلم) كمؤسسة، منذ أن بدأها فرويد عام 1902 بلقاء أسبوعي، يضم عددًا من (مريديه)، مما أطلق عليه لاحقًا (جمعية الأربعاء) التي توسعت شيئًا فشيئًا، حتى تنظيم اللقاء الدولي الأول للتحليل النفسي في  مدينة سالسبورغ  بالنمسا عام 1908، وشارك فيه عدد كبير من الأطباء والمحللين النفسيين من مختلف أنحاء العالم، وتشكيل فرويد لاحقًا للجنة السرية داخل هذا التنظيم الدولي (ألا تذكركم هذه التسميات بأحد التنظيمات الدينية؟) التي ضمت أكثر (حوارييه) إخلاصًا، كرانك ويونغ وفرنزي، اللجنة السرية، التي اعتبرها فرويد حصنه وقلعته المتينة، أو الحارسة لمجد أقواله، وفكر من خلالها في ترك (تعاليمه) في يد يونغ الأمينة، الذي قال عنه: (هذا ابني الحبيب الذي يحظى بكامل رضاي)، لكن للأسف، هذا الابن هو أول من (قتل الأب) لدى مؤسس هذه النظرية، لأن طموحه أكبر من أن يبقى ابنًا مطيعًا لفرويد، حسب تعبير صفوان (ليس من المفاجئ أن يكون يونغ قد اعتذر في النهاية عن القيام بالدور الذي أراده له فرويد، لأنه كان يصر على أن يكون هو ذاته رئيسًا، يستمد سلطته من مذهبه الخاص).

انشق يونغ عن مدرسة التحليل النفسي، ليؤسس علم النفس التحليلي، أما رانك، فقد أصبح منبوذًا منذ تأليفه لكتابه (صدمة الميلاد)، مع أنه في المجمل لا يخالف تعاليم مدرسة التحليل النفسي في شيء، لكن فقط لأنه ليس فرويد أو (البروفيسور) من قام باختراع هذا التفسير لصدمة الميلاد؟

يسرد صفوان عشرات القصص في الكتاب الذي أشبه ما يكون بورقة نعي للتحليل النفسي (مع أنه ينفي ذلك)، وكلها قصص تدور حول النفي والطرد والتهميش والحروب الداخلية في مؤسسات هذا التنظيم، فالكل يريد الزعامة، والكل يطالب بصفة (المسيح)، والكل مستعد لحمل آلاف الصلبان كي يكون هو المسيح، وحوله حواريوه ومريدوه، بل إن الكاتب نفسه كان أحد هؤلاء الحواريين في مسيرة لاكان: (لقد اعتبرتُ لاكان وما زلت، بمثابة معلم)، لكن لاكان كان يبحث عن وريث آخر، إنسان مستعد لتكريس حياته  كلها من أجل لاكان فقط، ولم يجد خيرًا من صهره جاك آلان ميلر، متبعًا أساليب اختيار الوريث لدى الدكتاتوريات الشرقية، هذا الصهر الجامعي، رئيس قسم التحليل النفسي في جامعة باريس، فرع سان دوني، صرخ في أحد اللقاءات، شاتمًا أعداء لاكان: (إنهم طيور أبو زريق بحلة ريش الطاووس، إلا أن أبو زريق يبقى أبو زريق، والطاووس يبقى طاووس) وهي جملة تحفر عميقًا في جرحنا  كسوريين، فما أشبهها بشعار (تبقى الأسود أسود، وتبقى الكلاب كلاب)، فـ لاكان بالنسبة إلى صهره ووريثه (من يمتلك نبرة الحقيقة، التي تتجلى أصداؤها في خطابه)، معيدًا -بعد سبعين سنة من تأسيس التحليل النفسي- الصراعات التي خاضها فرويد ومريدوه منذ عام 1908، بل تجاوزوا ذلك باختراع مفهوم (النقلة)، وهي أشبه ما تكون بترقية كهنوتية للمحلل النفسي من خلال كرادلة وبطارقة مدرسة باريس الفرويدية. فالنقلة تعني اعتراف لجنة هذه المدرسة، بتجاوز المحلل النفسي لصراعاته الداخلية وهواماته، وبالتالي قدرته على ممارسة التحليل بنفسه على أشخاص آخرين، وربما ليمنح هؤلاء الأشخاص الآخرين لاحقًا، هذه الصفة للمحللين المستقبليين، مشابهًا بأسلوب مطابق، منح صفة الأمين في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكأن مدرسة باريس الفرويدية، هي المجلس الأعلى لهذا الحزب.

كرس الكتاب، في قسميه الأول والثالث، أي أكثر أجزائه، لهذه الصراعات والانقسامات في مؤسسات التحليل النفسي، بينما احتوى قسمه الثاني، الأصغر حجمًا (وكأنها فترة استراحة عن هذه الصراعات) بحوثًا في أعمال سوسير اللسانية، ودراسات تحليله لمفاهيم الذكورة والأنوثة، والجنسانية، والجندر (فالخطاب عن الجنس لا يفلت من الأيديولوجية المتعلقة بالجندر)، وشمل هذا الفصل الكثير من الأفكار الأصيلة والصادمة، كعلاقة الرجل بالجنسانية، أثناء شرحه لأفكار فايننغر (يملك الرجل القدرة على التصرف تجاه جنسانيته بشكل مستقل؛ إذ يستطيع أن يرفضها أو يقبل بها، ولكي نعبر عن ذلك بشكل فظ، يمكن القول إن الرجل يمتلك العضو الذكري، بينما المهبل هو الذي يمتلك المرأة).

أنهى صفوان كتابه بخاتمة مكثفة، كأنها خلاصة عمر في التحليل النفسي، منذ أن بدأه، بقدومه الى باريس عام 1946، مرورًا باشتغاله مع لاكان ومدرسة باريس الفرويدية، في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وانتهاء بيومنا هذا، باعتباره آخر العمالقة الأحياء، بل ربما آخر سنوات التحليل النفسي كعلم وممارسة.

مقالات ذات صلة

إغلاق