مقالات الرأي

الهوية السورية وهوية الكرامة الإنسانية

بعدما غادرتُ الطائرة ودخلت مبنى الركاب، في مطار لوس أنجلس، طالعتني عبارة باللغة العربية وبخط عريض: أهلًا بكم… أحسست لحظتها بفرح غامر اجتاح كياني، وبألفة مع المكان، والموظفين، ومع القادمين والمغادرين. هذه لغتي، ولا أحتاج إلى من يشرح لي معنى مفرداتها، وأهل هذا البلد احترموا كينونتي من خلال إظهار لغتي، إلى جانب لغتهم، لكني أُصبت بعد أيام قليلة بخيبة أملٍ، في مدرسة تعليم اللغة الإنكليزية، هناك كانت مجموعة من السوريين القادمين الجدد إلى أميركا، وقد احتفوا بي بحرارة أول الأمر، لكن ذلك كان قبل أن ينبههم واحد منهم همسًا عن انحيازي للثورة، فتبدلت حفاوتهم إلى الخوف حتى من مجرد التحية. وهنا لم تعد اللغة العربية، واللهجة السورية، والذكريات المشتركة، عوامل تواصل وألفة، بل على العكس تمامًا، أصبحت سببًا للتباعد والشك! أحد أعزِّ أصدقائي في أميركا اعتذر عن التواصل معي للسبب نفسه، وقد مضت ست سنوات لم أره فيها أو أسمع صوته، ويا لشعوري بالمرارة لأنه يسكن بالجوار من سكني، مئات آلاف السوريين، داخل البلد وحول العالم، ومن كل الطوائف والقوميات والمناطق، اتخذوا -وما يزالون- ذلك الموقف، وهو موقف لا يليق بكرامة الإنسان، وحريته.

في مؤسسة رسمية، التقيتُ بسيدة سورية محجبة مُسنة، تذكرتني، وكالت لي المديح على تاريخ مضى، لكن زوجها سحبها من يدها، وهو يقول لي دون مواربة: “لا تآخذنا، أخي توفيق، موقفك مقدر، بس نحنا رايحين جايين على سورية، وما بدنا حدا يشوفنا مع بعضنا، ويسبب لنا مشاكل”. قال ذلك وهو يستخرج جواز سفر أميركي، وهكذا فقد ربح نفسه وخسر سوريته وإنسانيته.

يتساءل السوري الحرّ في منفاه القسري: أيهما أقرب إليّ؟ شخص كولومبي، فيتنامي، أفغاني، لاجئ مثلي، يتقرب مني ويألفني ويعقد صداقة معي، وقد جمعنا هم اللجوء والغربة وطلب الحرية والكرامة؟ أم سوري يتنكر لي، ولتضحياتي من أجل حريته وحرية السوريين، ويخاف حتى من السلام؟ والذي يحدث دائمًا أن أمثال هؤلاء النرجسيين يحافظون على سلامتهم وأملاكهم في البلد، كما يحصلون على اللجوء والجنسية، على حساب دماء إخوتهم. والأسوأ من هؤلاء، لصوص السلطة، الذين فروا حاملين معهم ملايين الدولارات، فحصلوا بها على الجنسية، وعاشوا عيش الرغد على حساب الفقراء، والسجناء، والمعذبين من السوريين.

أعلم أن مثل ذلك حدث في كل ثورات الشعوب، لكن السؤال هنا عن ماهية الهوية والجنسية، عند المتسلقين على أكتاف الثورات. إن تعريف الهوية على أنها مجمل السمات التي تميز شخصًا من غيره أو مجموعة من غيرها، يبدو مناسبًا في الحال السورية، فهناك الهوية الشخصية التي لا تكتب فيها سمات تتعلق بأخلاقه ومشاعره الوطنية والإنسانية، بل تُعرِّف شخصًا بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده، فيما تدلُّ الهوية الجمعية (وطنية أو قومية) على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم من مجموعات أخرى، وربما يختلفون في عناصر أخرى، لكنها لا تؤثر في كونهم مجموعة تملك صفاتًا مشتركة يمكن تسميتها هوية.

يَجمعُ الشعب الهندي مثلًا وجودهم في وطن واحد، ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم دولة واحدة؛ ما يجعل منهم شعبًا هنديًا متمايزًا، مع أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى. مع ذلك فإن صفة هنود كانت تطلق أيضًا على سكان الباكستان، قبل أن تنفصل، وتشكل دولة تتناصب مع جارتها الشك والخوف والعداء أحيانًا. في البرازيل لا يزال اسم النادي السوري يتوج مبنى في ريودي جانيرو، يروده السوريون واللبنانيون والفلسطينيون والأردنيون، لأن تسميته أطلقت عندما كانت سورية تشمل تلك الجغرافيا السورية الواسعة، قبل أن تُجزأ وتُرسم لها حدود مصطنعة، وتُطلق عليها صفة دول، بعد اتفاقية سايكس بيكو، التي جرت بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، والبريطاني مارك سايكس، بمباركة من روسيا القيصرية عام 1916.

وتطبيقًا على هذه الأمثلة؛ فإن تعريف الجنسية يتبدل وفق تبدل الحدود الجغرافية للدول، وكذلك تتبدل الهوية الوطنية، وفق تعريف ماهية الوطن. فأنا عربي إن شعرت بالانتماء إلى كل العرب الذين يعيشون على الأرض الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. وأنا سوري إن انتميت فقط إلى المجتمع الذي يعيش داخل حدود سورية الحالية. وأنا أميركي إن ارتضيت الجنسية الأميركية وأقسمت على الولاء لأميركا والدفاع عنها، لكن كل هذه الانتماءات لا تعني الهوية الشخصية، بمعناها الإنساني الواسع.

كثرٌ أولئك السوريون الذين تقربوا من أشخاص ينتمون إلى بلاد أخرى، وابتعدوا من معظم أفراد بلدهم، بالرغم من عوامل اللغة والثقافة والدين، بسبب نرجسيتهم المفرطة، وكثر كذلك أيضًا من فعلوا مثلهم من الأحرار السوريين، ولكن مع أشخاصٍ آخرين يشاركونهم هموم الظلم والقهر حول العالم، فشاركوهم في الأنشطة الإغاثية والتظاهرات المطالبة بحق شعوبهم في الحرية والعدالة، وبذلك أصبحت الهوية الإنسانية، التي تعني الحرية والكرامة والعدالة، هي المعيار الذي تقاس به علاقة السوري بالسوري، وبكل إنسان آخر، من أي دين أو قومية أو لون.

مقالات ذات صلة

إغلاق