قضايا المجتمع

تفوّق الطلبة السوريين.. إبداعٌ يولد من رحم المعاناة

منذ أن بدأت موجات لجوء السوريين باتجاه دول الجوار وأوروبا، أظهر عدد من الطلبة السوريين تفوقًا دراسيًا ملحوظًا، بالرغم من قسوة الظروف التي يفرضها واقع الاغتراب عليهم. هذه الظاهرة الإيجابية استدعت الوقوف عندها، ومعرفة الأسباب العلمية والاجتماعية التي أسهمت في تفوق بعض الطلبة السوريين في دول اللجوء.

عن أسباب هذه الظاهرة، قال طلال مصطفى، الباحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، لـ (جيرون): “هناك عامل ذاتي يتعلق بالقدرات الذهنية للطالب، وعوامل موضوعية تتعلق بالسياسة التعليمية ومدى توافر أدواتها. ففي سورية كان هناك غياب شبه مطلق للبيئة التعليمية الملائمة ومستلزماتها التكنولوجية، على عكس ما هو متوفر في دول اللجوء، وخصوصًا الدول الأوروبية”.

وتابع: “وثمة عاملٌ يتعلق بسياسة الوساطات والمحسوبيات الشائعة في القطاع التعليمي السوري، وخاصة في ما يتعلق بعملية الإيفاد خارج سورية، وهي تعتمد على التقرب من الأجهزة الأمنية، بغض النظر عن قدرات الطالب العلمية. وعندما يعود هؤلاء الطلبة لسورية، يتم تعيينهم في الجامعات، على ضعف مؤهلاتهم، فالمهم هو ولاؤهم المطلق للنظام”.

لفت الباحث النظر إلى الفرق بين أنظمة التعليم السورية، ونظيرتها في دول اللجوء، قائلًا: “الهيئات التعليمية والإدارية في تلك الجامعات تقدّم الدعم المادي للقيام بالأبحاث، وتوفر التجهيزات اللازمة لها، كما تصرف رواتب للطلاب الباحثين، بينما في سورية يتم مراقبة الطلبة المتميزين أمنيًا، ويتعرضون للعديد من المضايقات والمعوقات للحد من تفوقهم”.

أشار مصطفى إلى أسباب عدم رغبة النظام في ظهور المبدعين في سورية؛ وقال “لأنهم سيحملون أفكارًا جديدة وإبداعية، ربما تضر بوجوده كما يعتقد، أو إذا ما حصلت المقارنة بينهم وبين الطلبة المحسوبين عليه. لذا من الطبيعي أن يتفوق بعض الطلبة السوريين اللاجئين، نتيجة توفر البيئة التعليمية الملائمة، والعيش بعيدًا من الهواجس الأمنية، إضافة إلى وجود الطموح الشخصي، والقدرات الذهنية الشخصية التي تلعب دورًا كبيرًا في التفوق والإبداع”.

الباحث السوري في علم النفس الدكتور عمر النمر أكد لـ (جيرون) أن “سبب تميّز بعض الطلبة السوريين هو وجود الحاضنة العلمية التي تتيح للمبدع أن يبدع، وتضع بين يديه كل مستلزمات العلم والتجربة، وتقدم الدعم المادي والمعنوي، وتهيئ المناخ الاجتماعي لبروز الإبداع”.

وأضاف: “العامل الأهم هو المعاناة التي عاشها الشباب السوري، والظروف الصعبة التي تُحتم عليه الجد والمثابرة لتأمين مستقبله. سابقًا كان الشاب يعتمد في كثير من الأحيان على العائلة والأقرباء، ولا يشعر بالمسؤولية بوجودهم حوله، أما في بلد اللجوء فقد أصبح وحيدًا أو مسؤولًا عن عائلة، لذلك كان لزامًا عليه بذل أقصى طاقته ليثبت وجوده، ويشق طريقه نحو مستقبلة”.

أما الدكتور منذر درويش فقد أرجع هذا أسباب ذلك الأمر إلى عاملين: “الأول الطالب نفسه، من حيث اهتمامه وإمكاناته الفكرية، والثاني الظروف المحيطة من تشجيع ومساعدة أو معاناة وحرمان”، وأضاف لـ (جيرون):كلنا يعرف أن التميز والتفوق يأتيان من رحم المعاناة والحرمان، ولا يوجد أقسى من الظروف التي عاشها اللاجئون السوريون، خلال السنوات السبع الماضية”.

الكاتبة السورية ندى الخش أشارت إلى أن “التفوق، علميًا ومهنيًا، يحتاج إلى مساحة تتوفر فيها الإمكانات، وهذا ما يحصل في بلاد الغربة واللجوء، حيث ظهرت حالات تفوق وإبداع كانت مغمورة في سورية”. وأضافت، في حديث إلى (جيرون): “في الغرب تسود قوانين، ولا فرق فيها بين ابن البلد واللاجئ، وهذه القوانين تساعد من يملك طاقات متميزة في أن يُظهرها. لكن الخوف هو أن تستمر بلادنا في طرد أصحاب الكفاءات، مقابل احتضان الغرب لها؛ الأمر الذي يحول دون استثمارها في سورية”.

محمد صالح أحمدو، المدير السابق في وزارة التعليم للحكومة السورية المؤقتة، نبّه خلال حديثه إلى (جيرون)، إلى “تفوق الطلاب السوريين، بالرغم من قلة المدرسين والاختصاصيين وندرة المنشآت التعليمية المناسبة في الداخل السوري، ووجود حاجز اللغة في دول اللجوء”. وأضاف: “لعل النماذج التي تم تسليط الضوء عليها في الإعلام ليست إلا عيّنة، وأعتقد أن هناك الكثيرين غيرهم. وهؤلاء أملنا في بناء سورية الحرة الأبية المتقدمة، علميًا وتكنولوجيًا وتقنيًا، وفي كافة المجالات”.

مقالات ذات صلة

إغلاق