هموم ثقافية

في بـــراءة المــسرح والمعهد العالي للفن المسرحي

كيف يمكننا إنصاف المسرح، ونحن نرى بعض المسرحيين ينشدون لكهنة السياسة، ويباركون مقالات الصحفيين المأجورة، ويمدون يد العون إلى البيروقراطيين، ويصمتون عن أعمال زملاء لهم رخيصي الذوق، ومن ثم يتساءلون عن سر الانحطاط؟ كيف يمكننا إنصاف المسرح أمام المتكاثرين حوله مثل ورثة، يشغلون حيلهم من أجل تركة ما؟ كيف يمكن إنصاف المسرح وهو يعيش معزولًا، بلا فلسفة أو شعر أو نصوص، بالقرب من تجاره الذين قذف بهم يأسهم وفشلهم الفني إلى معاداة الإبداع؟ هل صار يجب الوصول إلى حد ندافع فيه عن الدولة ضد المسرحيين؟ وإذا كان من البدهي التسليم بضرورة الصراع ضد سلطتها وطرق تسييرها لمؤسساتها، من قبل زمرة من السياسيين والبيروقراطيين، فهل ذلك يعني صمتنا إزاء ممارسات فنية لا تمت للمسرح بصلة، إلا من حيث انتسابها بالحضور على الركح؟ وهل ذلك يجعلنا ندافع عن أعمال مبتذلة وجد سطحية، يقدمها لنا أرهاط من المنتسبين إلى الفن المسرحي أو من المتطفلين على تسيير شؤونه؟ ماذا لو كانت الدولة قد قدمت دعمًا لوجيستيًا أو ماليًا لمثل هذه الأعمال؟ أفلا يحق لها هي الأخرى، وإزاء هذا السياق، مناصبتنا العداء؟ ألا نكتشف من خلال أشكال كهذي، أنه ثمة عملية تحيل كبرى وخسيسة تجري ضد هذه الدولة ذاتها؟ ألا يمكن اعتبار ذلك شكلًا من أشكال المؤامرة؛ حيث يغنم البعض محاباتها له على حساب البعض الآخر، من دون أن يقدم منجزًا مسرحيًا محترمًا؟ رُبّ أسئلة يمكن اختزالها الآن في سؤال واحد: كيف ندافع عن براءة المسرح من الدولة والمسرحيين أنفسهم؟

لقد نزلت مؤخرًا وقائع عديدة بالمسرح، يوظفها البعض من أعداء هذا الفن، ويتم استغلالها بغاية ضرب المسرحيين وتشيؤ المعهد العالي للفن المسرحي بتونس، بوصفه الفضاء الأهم في تكوين الطلاب نظريًا وإبداعيًا، قبل تخرجهم ودخولهم معترك الحياة المسرحية والفنية. وجدت هذه الوقائع اشتغالها منذ هجرة العديد من خريجي العلوم الثقافية، في اختصاص المسرح وفنون العرض، إلى البرامج التلفزيونية القائمة على الابتذال والتهريج والسطحية، وهي هجرة –وإن بدت اضطرارية بالنسبة إلى البعض- لا مبرر لها إطلاقًا من الناحية الفنية؛ لأن محركها الوحيد هو ذلك الجانب الانتهازي القائم على كسب المال أو اختراع نجومية! وهي -في الأغلب- مزيفة وجد تافهة ومنحطة ومثيرة للاشمئزاز والقرف على نحو كبير. ولم تكتف عند حدود ذلك؛ إذ تحولت إلى نوع من الموضة الجمالية، تبحث لها عن وجودٍ في المسلسلات الدرامية ذات الخبرات المتواضعة فكريًا ودراماتورجيًا ومعرفة تاريخية أيضًا. الأنكى من هذا كله، تَمَكنُ العديد من البرامج التهريجية المنحطة، من إقحام بعض أولئك المهاجرين، في دخول المعارك السياسية المنحطة، تلك التي تسعى قدر الإمكان إلى تتفيه جملة من الشعارات والمفاهيم والقضايا الحارقة، كالثورة والوطنية والديمقراطية وملفات الفساد وتشغيل الإرهاب.. فإذا بنا لم نعد نشاهد مسرحيين ولا سياسيين، بقدر ما صرنا نشاهد نماذج من مثقفين منحطين ومزيفين لا هم لهم إلا غنيمة الحاضر.

أمام هذا الانحطاط الفني السائد؛ وجد البعض من المتهكمين العدميين فرصتهم لازدراء الفن المسرحي -بعامة- وإدانة المعهد العالي للفن المسرحي بخاصة. أما حجتهم في ذلك فوجود عدد لا بأس به من خريجي المسرح، في تلك المستنقعات الفنية التي باتت تغرق الساحة الثقافية في تونس، وعلى ذلك؛ صار وجوبًا الرد على مثل تلك الادعاءات وكنسها من خارطة الفعل المسرحي ككل.

إن المعهد العالي للفن المسرحي -وهنا سنعتذر لأننا سنتحدث باسمه دون إذن أو تصريح من قبل أي كان- مؤسسة جامعية كغيرها من الجامعات التونسية التي تمر بسياقات جد عصيبة، نتيجة الراهن النقابي والسياسي والاقتصادي في البلاد ككل، وبالتالي فإن عملية تسييرها أشبه بفلاحة الأرض: إذ مثلما تنمو بذرة ما وتزهر يمكن -أيضًا- أن تنمو بعض الأعشاب الطفيلية، مثل أولئك الأرهاط من أشباه المسرحيين. مقابل ذلك علينا الاعتراف بأن هذا المعهد مثل نظيره الموجود في محافظة الكاف، أنجب عشرات الأساتذة ممن هم الآن يدرسون مادة التربية المسرحية في مختلف تراب الجمهورية التونسية؛ كما أنجب العديد من المسرحيين الذين، على حيف وضعياتهم المتردية، أصروا على الممارسة المسرحية، دون أن يسقطوا في الزيف، وذلك من خلال صناعتهم -تمثيلًا وإخراجًا- عديد العروض المسرحية المهمة، أو من خلال فتحهم للعديد من المجالات الثقافية الخاصة في محافظات عدة من البلاد، ساهمت بشكل أو بآخر في خلق نوع من المقاومة المسرحية تكرس وتراكم شعار اللامركزية الثقافية.

إنّ راهن المسرح التونسي الذي يصفه البعض بالمتردي أو يتهمه بالتراجع، يمكن قراءته من منظور آخر ومغاير تمامًا، فبعد الانفجارات الاجتماعية والتحولات السياسية؛ بات يعيد مراجعة نفسه، كنوع من المحاولات الجدية التي تتراكم، من أجل إحداث جراحات جمالية وفكرية جديدة بخصوص منجزه الإبداعي، وليس أدل على ذلك من بروز تعبيرات جديدة وأشكال فنية مغايرة، لم تكن سائدة من قبل، وولادة جيل جديد من رحم السيطرة التي كانت مفروضة عليه، سياسيًا وفنيًا، إضافة إلى مولد نقاد وباحثين جدد، بالتوازي مع عودة الأقلام النقدية للظهور من جديد على الساحة المسرحية.

أما بخصوص “هشاشة المشترك”، بين القطاع المسرحي والدولة في حد ذاتها، فإن الأمر عائد بالأساس إلى طبيعة المجتمع التونسي الاقتصادية والاجتماعية، وافتقار وزارة الشؤون الثقافية إلى ميزانية كبرى تخولها رعاية هذا القطاع، وبخاصة من حيث الدعم، ما يولد على إثر ذلك العديد من الصعوبات الهيكلية المتعلقة بتنظيم المؤسسات المسرحية، كما يولد فوضى أخلاقية في صفوف المسرحيين أنفسهم، وذلك من خلال تنافسهم حول ذلك الطعم الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع، ومحاباتهم للبيروقراطيين والمسؤولين، من دون أدنى تفكير في هالة الفن ومسائله الفكرية وموضوعاته الفلسفية وخلفياته الأنطولوجية ككل. وعلى ذلك؛ فضراوة وجودنا المسرحي الآن، ما هي إلا نزعة تراكم بدورها لحالة مقاومة ضد السلطة ذاتها، يمكن اكتشاف نتائجها في المستقبل القادم.

يجب ألا نعتبر هذه النقاط تفكيكًا شاملًا لتلك الوقائع، أو ردًا نهائيًا على أولئك المسرحيين المزيفين الذين تخلوا عن رسالة المسرح، وقدموا أنفسهم مسوخًا ومهرجين للقنوات التلفزيونية الخاصة، حيث يتحكم فيها “بارونات” رجال الأعمال والإعلام، بقدر ما هي تهدف بالأساس إلى الدفاع عن براءة الفن المسرحي، وعن المعهد العالي للفن المسرحي. على أن تظل هذه البراءة محل تصورات نقدية ومغايرة وصحية، تسلط بدورها الاهتمام بالمسرح التونسي، سواء من حيث محاورة راهن مؤسساته التربوية في الجامعة أو خارجها، كالمسرح الوطني وغيره، أو من حيث منجزه الإبداعي والنقدي والنظري وآليات اشتباكه النقابية مع الدولة تنظيميًا وهيكليًا.

وهنا سيصح قول الحقيقة عارية إلا من جرأتها: لتسقط الدولة إذا لم تحترم المسرح، يسقط أيضًا كل مسرحيّ لا يحترم الفعل المسرحي وممارسته، ويسقط أكثر حين لا يرى في المسرح إلا نوعًا من الابتذال والتهريج، أو وسيلة يقتات منها ويعيش.

مقالات ذات صلة

إغلاق