مقالات الرأي

الإسلاميون وثورة الحرية والتحرير

لم يعد الوضع السوري يُعرَّف بأنّه ثورة ضد النظام فقط؛ فبعد أن استعان الأخير بإيران وروسيا، أصبحت الثورة ضد هذه الدول أيضًا. وبما أن المتدخّلين كثر، فلا بد أن تشمل أهداف الثورة كل المتدخلين، وبالتالي أصبحت الثورة من أجل الحرية والتحرّر بآن واحد. ومن يحلّل الوضع السوري خارج هذه الجدلية؛ ينقصه الكثير ليفهم في السياسة. إضافة إلى ما ذكرت، فإن رفض تحديد كهذا، واعتماد تحديد آخر يؤكد على ثورة الحرية، ويصمت عن مهمة التحرير، فإنه بذلك يؤكد تبعيّته لدولةٍ من دول الاحتلال؛ كحال “الإخوان المسلمين” وكُتل في الائتلاف الوطني التابعين لتركيا، والصامتين عن احتلالها لأجزاء من سورية، وكذلك إعلان بعضهم أن تركيا هي من يحدّد المشاركين من المعارضة في النقاش عن اللجنة الدستورية في جنيف، كما قال أحمد طعمة، الشهير بالتنوير الإسلامي، ورئيس الحكومة المؤقتة سابقًا، ورئيس آخر وفد للقاءات في أستانا.

أثارت جملة أطلقها ملهم الدروبي: “ماذا قدم العلمانيون للثورة السورية”، وقبلها كان قد أكد أن “الثورة السورية لم تكن لتوجد؛ لولا الإخوان”، وهو قيادي إخواني منذ أكثر من عقدين، أقول أثارت نقاشات سورية كثيرة. هذه الجمل تكفي لتوضِّح منطق الإخوان، أن ليس من شعب مستقل عن الإخوان، وأن العلمانيين لم يشاركوا في الثورة وهم حلفاء للنظام، ومعظمهم من الأقليات الدينية، بينما المسلمون “ديمقراطيون وغير علمانيين”، ووفقًا لذلك، فإن الأكثرية الدينية هي من قامت بالثورة، وهي من يحقّ لها الحكم. منطق الإخوان هنا، والمُضمر في جُملِ القيادي ملهم، ينسف كل مفاهيم الأكثرية والأقلية السياسية، ويعود بنا إلى ما قبل العصر الحديث، حيث الأكثرية والأقلية دينيتان، ووفق ذلك تصاغ القوانين والسياسات.

الثورة السورية ثورة شعبية، قام بها الشعب لأسبابٍ متعدّدة، وليس من ضمنها مظلوميّة الإخوان في الثمانينيات، وهي لم تنطلق وفقًا لرؤية حزبٍ ما. وكافة تيارات المعارضة، بليبراليتها ويسارها وسواها، التحقت بها؛ ولكن كثيرين من قيادات الثورة الشبابية كانوا قريبين أو منخرطين في توجهات ليبرالية ويسارية وربما إسلامية، ولكن ليست إخوانية. ضمن هذا الإطار، يصبح مجافاةً للواقع وكذبًا صريحًا القولُ إن الثورة إسلامية، ولا علاقة للعلمانيين بها. القول يتضمن أيضًا تلاقيًا مع رؤية النظام للثورة وتعامله معها، وفقًا لمنطق الثمانينيات، أي أن ثورة 2011 إسلاموية، وتقودها جماعات أصولية وجهادية ومن الإخوان المسلمين. التلاقي ذاك ربما سيكون له في تالي الأيام مبررٌ، حيث إنّ الإسلاميين يعملون بتنسيقٍ كامل مع الأتراك، منذ 2011، وبما أن التقارب كبيرٌ بين تركيا وروسيا، وتنسقان في كل ما يخص الوضع السوري، فإن مستقبل التحالف يتضمن بالضرورة تنسيقًا مع الإخوان من ناحية، ومع النظام من ناحية. لا نذهب بعيدًا في التأويل؛ فالإخوان أكثر جماعة براغماتية ونفعيّة، ويمكنها تغيير مواقفها، وإيقافُها للعداء ضد النظام 2008 أثناء محاصرة غزة، وتحالفُها مع عبد الحليم خدام، وإدارتُها الظهر لقوى المعارضة، أمورٌ لا تخفى، ولا سيما بعد توقيع إعلان دمشق 2007، الذي سُجن بسببه كثير من قيادات المعارضة حينذاك. المعارضة “العلمانية الديمقراطية” اعتبرت الإخوان جزءًا منها، بينما هم اعتبروها حصانًا للركب، وللوصول للسلطة!

إضافة إلى كل ما ذكرت، فإن القوى المعارضة في سورية قبل الثورة، تعاملت مع الإخوان من زاوية رفع المظلومية عنهم، وكان بند الحريات فيها يتضمن إسقاطًا للقانون رقم 49، أي الخاص بالإخوان المسلمين، الذي يعدم أي شخص من الجماعة. المعارضة هذه حاولت إشراك الإخوان فيها، كما ذكرت عبر إعلان دمشق، وقبله من خلال المنتديات، وكذلك الأمر من خلال المجلس الوطني والائتلاف الوطني، أي المعارضة العلمانية والديمقراطية واليسارية لم ترفضهم بأي صورة من الصور، واعتبرتهم شركاء كاملين في كل صغيرة وكبيرة. الإخوان فعلوا العكس: حاولوا التسلط على المجلس وعلى الائتلاف، واحتكار الإغاثة، وشكلوا فصائل خاصة بهم، ودعموا فصائل لتصبح تابعة لهم، وأقاموا علاقات مع دول كثيرة بعيدًا من المجلس والائتلاف والفصائل الوطنية؛ هذه الممارسات تقول، كما قال بالضبط السيد ملهم، إن الثورة ثورتنا، والعلمانيون هامشيون فيها وجاؤوا إليها من باب التكفير عن الذنب ليس إلّا.

التشوش في فهم هذه القضية، كما حاولت توضيحه أعلاه، يَحرِف النقاش عن جدلية الحرية والتحرر، أي عن نقاش أهلية المعارضة لتبني هذه الجدلية. كان لدى المعارضة التباسٌ بخصوص الحرية، فهي وفق فهمهم محدّدة بإسقاط النظام والحلول مكانه، ولكن ما هو برنامجهم للنهوض بالمجتمع؟ وطبعًا تجاهلهم لقضية الاحتلالات، ولا سيما الاحتلال التركي، وبدرجة أقل أميركا وروسيا، يفضح فهمهم لوظيفة المعارضة وعلاقتهم بالثورة والوطنية والنهوض بالمجتمع. هنا القضية الأخطر، حيث أقامت المعارضة رؤيتها ونشاطاتها دون رؤية وطنية أو ثورية لمعالجة الأزمات التي أغرق فيها النظام الشعب، وكانت الثورة بسببها.

هناك ضرورة كبيرة للنقاش في أسباب الثورة، وهناك آراء كثيرة حول ذلك، وهناك ضرورة لفتح النقاش حول مناطق النفوذ التي أصبحت واقعًا، وأصبحت القوى المحلية في تلك المناطق تابعة للدول المحتلة. هذا النقاش يتجاوز كل رؤية سابقة للمعارضة، ويفرض على الإخوان، بشكل خاص، التخلص من كل مشروع فئوي، بخاصة التنسيق مع تركيا، والانتقال للعمل مع بقية أطياف المعارضة، وبعيدًا عن الرؤية الدينية للشعب، بأنه يتكون من أكثرية دينية وأقليات و”كفرة”. الفكرة الأخيرة طُرحت في الإعلام العربي، وكان جوهرها ضرورة أن تنتهي مجموعات الإخوان من حكاية الدعوة الدينية، والربط بين الدعوي والسياسي، والفصل الكامل بينهما، ليكون لهم دورٌ في بناء الديمقراطية كشكل حكم حديث، واعتماد المواطنة وشرعة حقوق الإنسان، وليس النص الديني كمرجعية للدستور وفي السياسة والتعليم.

سورية الآن محتلة، والثورة أو حال السوريين يقول إنهم أمام أمرين: الخلاص من الاحتلال وبناء دولة حديثة، فيها حقوق متساوية لكافة المواطنين أمام القوانين، وفي هذا الإطار يُفتح النقاش، كيف سيتحقق ذلك، وكيف سيستطيع السوريون تفادي مشاريع إعادة الإعمار، التي هي مشاريع نهب للشركات الخارجية، وليست مشاريع تنمية ونهوض وطني عام.

مقالات ذات صلة

إغلاق