ترجمات

سقوط الإمبراطورية الأميركية

(*) الصورة: دوغ ميلز/ نيو يورك تايمز

حكومة الولايات المتحدة، ولأسباب سياسية، تنتزع الأطفال فعليًا من أيدي آبائهم وتضعهم في حاويات مسيجة (يصرّ المسؤولون على أنها ليست أقفاصًا، بالطبع ليست أقفاصًا). يطالب الرئيس الأميركي بأن تطبيق القانون سيوقف التحقيق مع شركائه، ويلاحق أعداءه السياسيين بدلًا من ذلك. لقد قام بإهانة الحلفاء الديمقراطيين بينما كان يشيد بالديكتاتوريين القتلة. ويبدو أن حرب التجارة العالمية أمرٌ محتمل جدًا.

ما المشترك بين كل هذه القصص؟ من الواضح أنها جميعًا مرتبطة بشخصية الرجل الذي يشغل أو يحتل البيت الأبيض، وبالتأكيد هو أسوأ إنسان يحتفظ بهذا المنصب. لكن هناك أيضًا سياقًا أكبر، وإنه ليس فقط متعلق بدونالد ترامب. ما نشهده هو رفضٌ منظم للقيم الأميركية الراسخة، القيم التي جعلت أميركا عظيمة بالفعل.

كانت أميركا منذ أمد بعيد دولة/ أمة قوية. وبشكل خاص، خرجنا من الحرب العالمية الثانية بمستوى من الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، لم يشهد لها مثيل منذ أوج روما القديمة. لكن دورنا في العالم كان دائمًا أكثر من المال والسلاح. كان الأمر يتعلق أيضًا بالقيم/ المُثل: لقد دافعت أميركا من أجل شيء أكبر من ذاتها، من أجل الحرية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون كمبادئ عالمية.

بالطبع، كنا في كثير من الأحيان غير متمثلين لتلك القِيم/ المُثل. لكنّها كانت حقيقية، ومهمة. اتبعت العديد من الدول سياسات عنصرية، ولكن عندما كتب غونار ميردال، الخبير الاقتصادي السويدي، كتابه الذي صدر عام 1944 حول “مشكلة الزنوجة” لدينا، حيث وصفها بأنها “معضلة أميركية”، لأنه نظر إلينا كدولة/ أمة لها حضارة بـ “طعم التنوير” وكان مواطنوها مدركين عند مستوى ما أن معاملتنا للسود كانت على خلافٍ مع مبادئنا.

كما أن اعتقاده بأن هناك جوهرًا من الحشمة والأمانة -ربما حتى الخير- لأميركا قد فُسر في نهاية المطاف بالصعود والنجاح، رغم أنه غير مكتمل، بحركة الحقوق المدنية.

ولكن ما الذي يميّز الخير/ الصلاح الأميركي -الذي غالبًا ما يتم تكريمه في الانتهاك، لكنه لا يزال حقيقيًا- أنه يتعلق بالقوة الأميركية، ناهيك عن التجارة العالمية؟ الجواب هو أنه منذ 70 عامًا، تشابك الخير/ الصلاح الأميركي والعظمة الأميركية سويًا. مُثلنا/ قيمنا، وحقيقة أن دولاً أخرى عرفت أننا تبنيّنا هذه المثل/ القيم، جعلتنا نوعًا مختلفًا من القوة العظمى، القوة التي ألهمت الثقة.

لنفكر في الأمر. بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، غَزونا نحن وحلفاؤنا البريطانيون جزءًا كبيرًا من العالم، وكان بإمكاننا أن نصبح محتلين دائمين، و/ أو أن نُنَصب حكوماتٍ تابعة عميلة، كما فعل الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية. نعم، فعلنا ذلك في بعض البلدان النامية، تاريخنا، على سبيل المثال، مع إيران ليس نظيفًا على الإطلاق.

لكن ما فعلناه بشكل أساسي بدلًا من ذلك هو المساعدة على هزيمة الأعداء نجح بعد تعثر، مؤسسًا أنظمة ديمقراطية تشترك في قيمنا الأساسية، وأصبحنا حلفاء في حماية تلك القيم.

كان السلام الأميركي [بدأ بعد الحرب العالمية الثانية عبر إحلال السلام في أوروبا، ومن ثم في جميع أنحاء العالم تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بصفتها حامي السلام العالمي، م.] نوعًا من الإمبراطورية، بالتأكيد كانت أميركا لفترة طويلة جدًا الأولى بين الأنداد. لكنها كانت إمبراطورية حميدة بشكل ملحوظ من خلال المعايير التاريخية، تمسك بالقوة الناعمة والاحترام، وليس بالقوة. (في الواقع، هناك بعض التشابه مع سلام روما القديمة، ولكن هذه قصة أخرى).

بينما قد تميل إلى النظر إلى صفقات التجارة الدولية، التي يقول ترامب إنها حولتنا إلى “حصالة نقود يسرقها الجميع”، كقصة منفصلة تمامًا، إنها ليست كذلك. كانت الاتفاقات التجارية تهدف إلى جعل أميركا أكثر ثراءً (وقد حققت ذلك)، ولكنها كانت أيضًا، من البداية، أكثر من مالٍ وأرباح.

في الواقع، لم يكن نظام التجارة العالمي الحديث من بنات أفكار الاقتصاديين أو أصحاب المصالح التجارية، وإنما من فكر كورديل هَل، وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت [ظل وزيرًا للخارجية مدة 11 عامًا، وهي أطول فترة لمسؤول أميركي، م.]، الذي اعتقد أن “التجارة المزدهرة بين الدول” هي عنصرٌ أساس في بناء “سلام دائم”. ولذلك تريد أن تفكر في إنشاء اتفاقيةٍ عامة حول التعريفات والتجارة في فترة ما بعد الحرب، كجزء من الاستراتيجية نفسها التي أطلقت في ذلك الوقت تقريبًا خطة مارشال، وأسست حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بالتالي؛ كل الأشياء التي تحدث الآن هي شبيهة بما قبلها. إن ارتكاب الفظائع على الحدود، ومهاجمة حكم القانون في الداخل، وإهانة القادة الديمقراطيين في الوقت الذي نشيد فيه بالسفاحين، وإلغاء الاتفاقات التجارية كلها لإنهاء الاستثنائية/ التميّز الأميركية، وإدارة ظهرنا للمُثل التي جعلتنا مختلفين عن الدول القوية الأخرى.

ورفضنا لمثلنا لن يجعلنا أقوى، سوف يجعلنا أضعف. كنا زعيم العالم الحر، كنا قوة أخلاقية ومالية وعسكرية، لكننا الآن نرمي كل ذلك بعيدًا.

الأكثر من ذلك، لن يخدم هذا مصلحتنا الذاتية. فأميركا ليست قوة مهيمنة كما كانت قبل 70 عامًا. إن ترامب متوهم، إذا اعتقد أن الدول الأخرى ستتراجع أمام تهديداته. وإذا كنا متجهين إلى حرب تجارية شاملة، وهي تبدو محتملة للغاية، سيُصاب هو وأولئك الذين صوتوا له بالصدمة بشأن الكيفية التي ستجري بها: بعض الصناعات ستربح، لكن ملايين العمال سيُشردون.

وبالتالي، فإن ترامب لا يجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، إنه يحطّم الأشياء التي جعلت منا دولة عظيمة، ويحوّلنا إلى دولة بلطجية أخرى، دولة ستصبح بلطجتها أقلّ فاعلية بكثير مما يتصور.

 

اسم المقالة الأصلي Fall of the American Empire
الكاتب بول كروغمان، Paul Krugman
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washıngton Post، 18/6
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/06/18/opinion/immigration-trump-children-american-empire.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fopinion-columnists
عدد الكلمات 780
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

مقالات ذات صلة

إغلاق