ترجمات

السبب الحقيقي لكره الشرق الأوسط للمنظمات غير الحكومية (NGO)

لا يُنظر إلى المروجين الغربيين للديمقراطية كتهديد شخصي للحكام وإنما كتذكير بالتاريخ الاستعماري.

 

الصورة: الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز يرحب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مطار الرياض الدولي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 (فايز نور الدين/ الوكالة الفرنسية/ صور جيتي).

في صيف عام 2011، قامت مجموعة من الضباط العسكريين المصرين بأول زيارة إلى واشنطن، بعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، وخلال اللقاءات العامة والخاصة في أماكن مختلفة في المدينة، منها مكتب وزارة الدفاع ومعهد الولايات المتحدة للسلام، أكد الوفد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تولى السلطة التنفيذية، “يُعِدّ البلد نحو الديمقراطية”.

لم يكن ذلك صحيحًا، حيث كانت الطريقة التي رد فيها الوفد على تلك الأسئلة المتعلقة بالقيود المفروضة على المنظمات غير الحكومية، خاصة تلك التي تحصل على تمويل أجنبي لمتابعة أعمالها، قد أفضت إلى الخروج عن الأجواء الودية والبناءة لـ “مصر الجديدة” لصالح “مصر القديمة” غير القابلة للتجديد، وعند الضغط عليه، استشاط رئيس الوفد غضبًا. من الواضح أن وضع أسسٍ لسياسة أكثر انفتاحًا لم يشمل منظمات حقوق الإنسان، ومجموعات الحكم الرشيد، والجمعيات الخاصة التي تقدم الدعم للمحتاجين، أو المنظمات غير الحكومية الأخرى.

لا نسرد قصة الضباط المصريين لأنها فريدة، وإنما لأنها جزءٌ من نمط تعامل في جميع أنحاء المنطقة. في الشهر الماضي، اعتقلت السلطات السعودية 11 ناشطًا (بعض التقارير[1] أشارت إلى أنهم 17- على الأقل) واحد منهم كان عضوًا في منظمة غير حكومية، تأسست عام 2009 ثمّ تم حلّها عام 2013. وذُكر أن الآخرين كانوا ينوون إنشاء منظمة غير حكومية تهدف إلى دعم ضحايا العنف المنزلي. وقد وصفتهم الصحافة السعودية بالعملاء. في غضون ذلك، في مصر، أصبح موظفو المنظمات غير الحكومية أعداء افتراضيين للدولة. في تونس، تماشيًا مع سمعتها “قصة نجاح” في الربيع العربي، خلقت بيئة أكثر ترحيبًا لهذه المجموعات، ولكن هناك أيضًا يوجد تقييد لقدرة المنظمات غير الحكومية على العمل؛ نظرًا إلى حالة الطوارئ وغيرها من القوانين التي تضع قيودًا على الحقوق بشكل عام.

كل هذا يثير سؤالًا مهمًّا: لماذا يكره قادة الشرق الأوسط المنظمات غير الحكومية؟ الجواب يكون أكثر تعقيدًا مما قد يظنه الغربيون.

تعدّ المنظمات غير الحكومية جزءًا مما يسميه علماء الاجتماع بـ “المجتمع المدني”. وفي حين عدم وجود تعريف متفق عليه للمجتمع المدني، فإن المنظّر المعاصر للتحولات الديمقراطية ألفريد ستيببان وزميله خوان لينز عرضا واحدًا من أفضل التعريفات؛ إذ عرّفوه[2] كـ “ساحة سياسية، حيث تحاول جماعات ذاتية التنظيم، وحركات، وأفراد مستقلون نسبيًا عن الدولة، التعبيرَ عن القيم، وإنشاءَ الجمعيات والاتحادات وتعزيز مصالحهم”. هذا التعريف وحده يُعدّ دعوة للضغط كالذي تمارسه الحكومات في الشرق الأوسط على المنظمات غير الحكومية. إن القادة في المنطقة لا يتعاملون بحسن نية مع أفكار مثل “التنظيم الذاتي”، “الاستقلال الذاتي عن الدولة”، وإنشاء الجمعيات و “النقابات”- وهو أمر قاس، من دون تبرير القمع، وعدم معرفة السبب. لدى مجموعات المجتمع المدني القدرة على مساعدة الناس ذوي المصالح المشتركة، في التغلب على العقبات الكبيرة أمام العمل الجماعي التي وضعتها العديد من الحكومات في الشرق الأوسط، وبهذا العمل، فهي تمنح صوتًا أعلى لمظالم الناس.

بالطبع، لا تعارض دائمًا كل المنظمات غير الحكومية الدولة، حتى عندما تكون في حالة معارضة معها، يمكن أن توظف في خدمة مصالح الحكام، في أوائل التسعينيات، انحازت المنظمات المكرسة لقضايا المرأة إلى الجيش الجزائري، عندما أعلن عن فوز حزب إسلامي، حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في الانتخابات. ومؤخرًا، كانت منظمات المجتمع المدني جزءًا من الانتفاضة الجماهيرية ضد الرئيس المصري محمد مرسي، حيث دعمت وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي للإطاحة به وبالإخوان المسلمين في انقلاب 2013. كما أن هناك الأسلوب العام الذي يتباهى به المسؤولون في المنطقة عن وجود العدد الكبير من المنظمات غير الحكومية في المنطقة (حتى أثناء قيامهم بقمعها) كوسيلة لإبعاد الانتقادات من الخارج، ولزرع فكرة أن الإصلاح كان جاريًا في أذهان مواطنيهم. لم يكن من الممكن تصديقه حتى إنه لم تنجح، ولهذا افترضت الحكومات في الشرق الأوسط اتباع القمع هذه الجماعات.

في مقالتهم[3] الأخيرة في (الفورين بوليسي)، يقوم رونالد آر كريبس وجيمس رون، بفك رموز التفسيرات التي تقدمها الحكومات غير الديمقراطية في معارضتهم للمنظمات غير الحكومية. مع ذلك، فانهم تجاهلوا جملة من الأفكار القوية، خاصة في العالم العربي، ترسم الجدل حول المنظمات غير الحكومية. ونتيجة لذلك، فإنهم افتقدوا معرفة سبب وجود فجوة لا يمكن ملؤها بين الغربيين وبين حكام الشرق الأوسط حول المجتمع المدني.

من الخطأ أن نلخص الأمر بأن الاستبداد السلطوي لخدمة المصالح الذاتية الضيقة فقط يفسر النهج العدواني تجاه المنظمات غير حكومية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. بعد كل هذا، فإن تطويق هذه الجماعات (حتى من قبل إسرائيل) لا يتناسب مع أي دليل على أنها قادرة على إحداث تغيير سياسي ملموس في المنطقة. لا شك أن العديد من المنظمات غير الحكومية قد ساعدت الناس المحتاجين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ولكن تلك المختصة في إدارة الحكم وحقوق الإنسان، على سبيل المثال، لم يكن لها تأثير يذكر. ولكن لماذا يتعامل قادة الدبابات والطائرات والصواريخ في الشرق الأوسط مع المعارضين العرب الذين يقومون بالدفاع عن الحرية وبناء جمعيات، كمشكلة؟ التهديد لا يتعلق بتخفيف قبضة الاستبداد على السلطة، ولكن يمكن تلخيصه أكثر وهو: الشعور الهش بالسيادة والهوية في الشرق الأوسط.

يرى الحكام العرب في الأساس أن منظمات غير الحكومية، وبالأخص تلك التي تعتمد على التمويل الأجنبي، إنها أدوات في مشروع استعماري جديد. إن التماس النفاق في هذا الموقف بالنسبة إلى الحكومات التي إما تتلقى مساعدات ضخمة أجنبية أو تعتمد على الغرب في أمنها لهو أمر بديهي، ولكن ليس من الضروري أن يقللّ من تأثيرها. الحقيقة هي أن تاريخ المنطقة وروايات القوميين التي تطورت ونمت على مدار القرن العشرين، جعلت جماعات المجتمع المدني هدفًا طبيعيًا للمستبدين في الشرق الأوسط، الذي يميلون إلى اعتبار الناشطين في مجال حقوق الإنسان والذين يحصلون على تمويل من الغرب وكذلك ناشطي الحكم الرشيد، كأحدث مظاهر لمهمة “النقل إلى الحضارة” التي جلبت في الأصل من قبل المستعمرين الأوروبيين إلى شمال إفريقيا وبلاد الشام.

على الرغم من أن الناشطين والممولين لا ينظرون إلى العالم بهذه الشكل، فإن تركيز حكام الشرق الأوسط على المنظمات غير حكومية هو الخوف من أن الغرب لا يقوم فقط بمساعدة الأشخاص الذين يريدون العيش في مجتمعات أكثر عدلًا، بل إنه من خلال هذه الجماعات، يحاول تقويض الهوية العرقية والدينية في المنطقة، بجعلها مجتمعات أكثر غربية. من هنا تأتي ادعاءات القادة في الشرق الأوسط أن المؤسسات الغربية لا تتفق مع المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مثلما قال أحمد داوود أوغلو -رئيس الوزراء التركي الأسبق ووزير الخارجية- في أطروحته للدكتوراه[4]، قبل أن يشترك في الهجوم على المنظمات غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية، إبّان وجوده في السلطة.

مشكلة التبعية السلطوية تجلب القضية إلى فضاء واسع، بدأ الاختراق الأوروبي للشرق الأوسط في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، على إثر عملية طويلة الأمد للتخمر والاكتشاف الفكري بين الشرق الأوسطيين، حول أفضل السبل لمواجهة هذا التحدي. كان الإصلاحيون الإسلاميون، والقوميون العرب، والإسلاميون، الذين شددوا على مسألة الهوية، الأكثر تأثرًا بالسياسة (واستمرارية) بالتغيرات الإقليمية. وكان تأميم قناة السويس والثورة الجزائرية التي طردت الفرنسيين بعد 130 سنة، قد استحوذ على خيال العرب في جميع أنحاء المنطقة. وكانت تلك التصريحات الجريئة والقومية قد أعطت الحياة لشعارات شعبية مثل “مصر للمصريين” و”الإسلام ديني، واللغة العربية لغتي، والجزائر هي بلدي”، مع ذلك ظلت الأسئلة حول الهوية والسيادة من دون أجوبة، في كل من هذه الدول ودول أخرى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

على سبيل المثال، تواجه مصر تذكيرًا مستمرًا بسيادتها. هذا لا يشمل فقط حقيقة أنها يجب أن تطلب من إسرائيل السماح لها بالتصدي للقوة العسكرية في أراضيها، وابتزاز السعوديين للحكومة المصرية للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير (على الرغم من أنه من غير الواضح من الذي يملكها بالفعل)، ولكن أيضًا تمرير الحكومة الأميركية لتعديل قانون برونباك حول المخصصات الموحدة لعام 2005، الذي أعلن أن برامج الديمقراطية والحكم في الولايات المتحدة، إلى جانب المجموعات المختارة لتنفيذها، لم تكن بحاجة إلى موافقة مسبقة من الحكومة المصرية. في واشنطن، كان هذا هو الشيء المعقول الذي ينبغي القيام به، في إطار جهود الرئيس المصري حسني مبارك، لتقوي “أجندة الحرية” للرئيس جورج دبليو بوش. بالنسبة إلى وزارة الدفاع المصرية، كان ذلك انتهاكًا فاضحًا لسيادة البلاد.

لدى المملكة العربية السعودية مشكلاتها الخاصة المتعلقة بالسيادة، تم توحيد البلد بالقوة وما زال يتم تجمعيه، من خلال مجموعة معقدة من العلاقات وتوزيع الموارد. وليس لعمل منظمات المجتمع المدني والممولين الأجانب أي تأثير مباشر على هذه القضايا. لكن بالنسبة إلى القادة السعوديين، ما زال لديهم القدرة على قلب التوازن السياسي الدقيق الذي يوحد البلاد، وبالتالي تقويض الاستقرار وتعريض السيادة للخطر.

لا توجد وصفة سياسية يمكن أن تفصل بين الطريقة التي ينظر بها الأميركيون والأوروبيون إلى دعمهم للمنظمات غير الحكومية في الشرق الأوسط -كطريقة لمساعدة المنطقة سياسيًا وأخلاقيًا- والاستجابة الشرسة من القادة العرب. لكن المراقبين الغربيين يمكن على الأقل أن يحصلوا على تقييم أفضل هو ما سبب أن حلفاء الولايات المتحدة ينظرون إلى المخلصين الصادقين على أنهم تهديد حقيقي.

 

العنوان الأصلي The Real Reason the Middle East Hates NGOs
الكاتب Steven A. Cook
المصدر فورين بوليسي، June 7, 2018
الرابط https://foreignpolicy.com/2018/06/07/the-real-reason-the-middle-east-hates-ngos/?utm_source=PostUp&utm_medium=email&utm_campaign=Editors%20Picks%20-%20LiveIntent%206/7/18&utm_keyword=Editor#39;s%20Picks%20OC
المترجم وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

[1] Saudi Prosecutor Says 17 Detained in Case Against Activists: https://www.bloomberg.com/news/articles/2018-06-03/saudi-prosecutor-says-17-detained-in-case-against-activists

[2] Problems of Democratic Transition and Consolidation: https://jhupbooks.press.jhu.edu/content/problems-democratic-transition-and-consolidation

[3] Democracies Need a Little Help From Their Friends: https://foreignpolicy.com/2018/06/07/democracies-need-a-little-help-from-their-friends/

[4] Hiding in Plain Sight: https://foreignpolicy.com/2010/12/02/hiding-in-plain-sight-2/

مقالات ذات صلة

إغلاق