مقالات الرأي

مونديال موسكو وركلات الجزاء بين حميميم والقصير

حظيت الاستعدادات الروسية لعقد المونديال في روسيا باهتمام كبير من إدارة بوتين، قبل “فوزه” في الانتخابات وبعد ذلك الفوز، غير أن الاهتمام الاستراتيجي لبوتين، في السنوات الأخيرة (2015/ 2018) كان ينطلق من إحكام السيطرة على ما يدعى الملف السوري، وعلى ما يبدو أن سيرورة هذا الملف، وتداعيات الصراع حوله، باتت مفتاح الطموحات البوتينية على المستوى الدولي، وبكافة ملفاته المعقدة التي تنتظر ترسيمًا جديدًا، تطمح له موسكو لتعزيز مكانتها الإمبراطورية – الإمبريالية.

إقامة المونديال في روسيا، وفي عدة مدن، تُعلن عن رسالتين: خارجية للرأي العام العالمي، لتُظهر إدارة بوتين أن روسيا تواكب العالم واهتماماته الرياضية. وداخلية، لإعطاء فئات الشعب الروسي جرعة ثقة بمكانة زعامتهم في الحظيرة الكونية. وبين هذا وذاك متسعٌ لإشباع الرغبات الكرنفالية لأبناء إمبراطورية يعاد بناؤها، ومحاولة استعادة الثقة بأنهم في طليعة الأمم العالمية.

أما الميدان الأهم الذي ربطت إدارة بوتين مصير مكانتها في العالم به، فهو هنا في التدخل الصارخ عسكريًا ثم سياسيًا لإسناد الدكتاتور بشار الأسد. وكان تبريرها في هذه الحماقة التي لا تغتفر، أنها في سورية تقاتل ضد الإرهاب، ولم تهمل تظاهراتها الإعلامية لاستقبال المونديال على أراضيها، الذي استقبلت قبله جثث القتلى، وهم بالمئات، حسب اعترافات الإعلام العسكري في قاعدة حميميم.

لقد تفاخرت الزعامة الروسية بأنه لولا تدخلها العسكري الحاسم في سورية، لكان بشار الأسد خارج السلطة، وربما امتنعت عن القول إنه في مستقره الأخير (جثة هامدة، أو في أحد منتجعات روسيا البوتينية، وربما مستلقيًا فوق سجادة عجمية في حضن الملالي).

في ذلك الحين، يوم قال لافروف هذا الكلام، عن حماية الأسد من السقوط، امتعضت الزعامة الإيرانية، ومعها أداتها الأقوى في الحرب ضد ثورة الحرية في سورية (حسن نصر الله وميليشياته)، لكنهم لم يردوا على هذا الكلام الروسي مباشرة، إنما ذهبوا مداورة إلى إعلان قائمة بعدد قتلاهم “شهدائهم”، وبالمعارك التي خاضوها ضد “الإرهاب وداعش”، (اقرأ: ضد ثورة الحرية في سورية). وراحوا يُحمِّلون بشار جمائلهم المالية والاقتصادية، في تصريحات لقادتهم وإعلامييهم، لكن مقصدهم في هذا التظاهر هو الرد على لافروف، وشخصيات روسية أخرى، بسبب إعلاناتهم المتكررة عن حمايتهم لبشار من السقوط. وهو ما اعتبره الإيرانيون ومن لف لفهم من ميليشيات طائفية، تبخيسًا لهم ولما فعلوه لسحق الثورة السورية، بمختلف الذرائع والأكاذيب والتلفيقات.

لقد ظهرت بدايات التنافس/ التعارض الروسي – الإيراني، بعد احتلال حلب وترحيل أهلها، وحينئذ حاولت ميليشيات طهران والحرس الفاشي الإيراني، تثبيت نقاط لهم في المدينة، فقامت قاعدة حميميم بتحريك الشرطة العسكرية الروسية، لإجلاء تلك القوات عن المدينة. ومن يومها راحت التناقضات والاحتكاكات بين الطرفين تتصاعد، خاصة في محاباة موسكو لموقف نتنياهو من الانتشار الإيراني في الأراضي السورية، وأظهرت موسكو قدرًا كبيرًا من الالتزام بما اتفق عليه بوتين مع نتنياهو، قبل بدء العمليات العسكرية الروسية في سورية. وهو ما أحبط الآمال الإيرانية بمقايضة دورها الميداني في الحرب في سورية، مع غطاء روسي يضبط، أو يقلل من التهديد الإسرائيلي للقواعد الإيرانية في سورية، وكان نيسان/ أبريل 2018، حتى مطلع أيار/ مايو من العام نفسه، صدمة قوية للمشروع الإيراني على الأرض السورية، جراء تجاهل موسكو لأي دور تقوم به لحماية الحليف الإيراني وملحقاته.

غير أن حزيران/ يونيو 2018 كان منعطفًا نوعيًا في علاقات موسكو مع حليفها الإيراني وأدواته القاتلة للشعب السوري. ففي هذا الشهر ظهرت إلى العلن، التناقضات بين الحلفاء في قتل الشعب السوري، ودعم استبداد سلطة الطاغية، ومن أعلى المستويات في موسكو وطهران والضاحية الجنوبية في لبنان. قبل ذلك اقتصرت مواقف روسيا، إزاء دور إيران في سورية، على المنطقة الجنوبية، وأعلنت أن لا بقاء لأي ميليشيات أو قوات أجنبية فيها، وتأكدت إيران أن موسكو لا تريد لها ولـ “حزب الله” أي وجود في تلك المنطقة، إرضاءً لـ “إسرائيل” من جهة، ومحاولة لجسر الهوة مع الأميركيين. لكن نقلة نوعية واضحة وصادمة للإيرانيين ولحسن نصر الله، حصلت بإفصاح موسكو عن ضرورة انتهاء كل الميليشيات على الأرض السورية، وهو ما وضع القيادة الإيرانية وسلطة بشار وزعامة نصر الله في حالة اضطراب وتوتر، دلّت عليها التصريحات المتهافتة والمتناقضة الصادرة عن الملالي وبشار ووزير خارجيته، خاصة أن “سلطة حميميم” كانت حريصة على إعلان انتشارها في الغوطة وحمص وغيرهما، وإلغاء حواجز للميليشيات وجيش بشار، واستلام مواقعها.

لقد أوكلت طهران لحسن نصر الله مهمةَ الرد على ما أورده إعلام قاعدة حميميم، وكذلك الدبلوماسية الروسية في موسكو. ففي البداية، صرخ “سيد المقاومة” بصوت حاد: أن لا قوة في العالم يمكنها إنهاء وجود ميليشياته في سورية. وفي هذه الأثناء كانت القوات الروسية الخاصة تتجه لمنطقة القصير في حمص، وهي المعقل الأهم لميليشيا نصر الله في سورية، لتسيطر على المنطقة الحدودية بين سورية ولبنان، وتبعد ميليشيات “حزب الله” عنها. وتعدُ القصير المعبر المهم والاستراتيجي لنقل الأسلحة الإيرانية إلى البقاع والهرمل في لبنان، وهما من أهم معاقل “حزب الله” هناك. وحاول إعلام نصر الله نفي حصول تغيير على انتشار ميليشياته في القصير، ولكن الفيديوهات والصور التي تناقلتها وسائل الإعلام، إلى جانب التصريحات العسكرية الروسية، تؤكد على الأقل أن روسيا نشرت قوات لها في المنطقة، وهي التي كانت باكورة “إنجازات” ميليشيا طهران في سورية.

على أهمية القصير، تكتيكيًا واستراتيجيًا، على المستوى العسكري الميداني، فالسجال حولها أبعد من حدودها العسكرية والقتالية، فما قام به الروس، وما توضحه تحركاتهم وتصريحاتهم، بات مخيفًا لطهران وملحقاتها، لأنه يشي بأن بوتين بات مقتنعًا بضرورة إنهاء الوجود الإيراني في سورية، ليحقق مصالحه الخاصة في علاقاته الدولية. لكن ما يجري في القصير هو “ضربات ترجيح”، في تنافس على الغنائم بين أعداء الشعب السوري.

لا أمل لموسكو بكأس المونديال المنعقد على أراضيها، لكنها ستحاول في القصير ورمزيته، أن تحقق مغانمها من جرائمها في سورية، بضربات ترجيح هي الأقدر على تنفيذها، لكن هل يتقبل الإيرانيون هزيمتهم “بروح رياضية” لا وجود لها في أيديولوجيتهم وثقافتهم وقيمهم؟ متروك هذا الأمر للأيام القريبة القادمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق