أدب وفنون

نوافذ على الحب في السينما غير النمطية

تعدّ السينما واحدة من أهم العوامل التي تساهم في تشكيل اللاوعي الجمعي، من خلال تأثير الأفلام، معرفيًا وسلوكيًا، على المشاهدين بشكل خارج عن نطاق إدراكهم؛ لذا يشكل توجه معظم شركات صناعة الأفلام إلى الجانب الترفيهي، قلقًا اجتماعيًا، بسبب عدم توانيها عن تقديم أي فكرة أو قصة تشكل إغواءً للمشاهد، مهما كان أثرها سلبيًا على التكوين النفسي للمجتمع، وعلى تصورات الناس عن أنفسهم، وطريقة تقييمهم للعالم المحيط بهم.

وتتناول شركات الإنتاج قصص الحب بشكل كبير في الأفلام التي تصنعها، مستغلة حاجة الإنسان الغريزية إلى العاطفة والقبول، وبخاصة في المجتمعات الحديثة التي غلب طابع المادية على معظم العلاقات فيها، إلا أن أغلبها تكرر الصورة المشوهة ذاتها للحب، البعيدة كل البعد عن الواقع؛ ما أدى إلى تعليبه في قوالب نمطية، تشكل الصورة الذهنية الزائفة لأغلب الناس عنه، وبالتالي توليد العديد من الخيبات، وانكسارات القلوب، عندما يصفع الواقع العشاق بالحقيقة.

نجا بعض المخرجين من فخ التسليع، وجعلوا من القيمة الجمالية الفنية والأخلاقية غايةً يعملون من أجلها، فقدموا لنا العديد من الأفلام ذات الطراز الفني الرفيع، من بينها هذه الأفلام الثلاثة، التي كسرت القوالب، وأخرجت الحب -بكافة ألوانه- إلى شمس الواقع، والتي سنتناولها في هذا المقال.

فيلم Amour– الحب يكشف عن وجهه القبيح:

لعل الانطباع الأول الذي سينتابك، منذ المشهد الأول حتى نهاية مشاهدتك لهذا الفيلم الخالي من الموسيقى التصويرية، بتسلسل أحداثه البطيء، المغرق بالتفاصيل اليومية الرتيبة لرجلٍ مسنّ يعتني بزوجته العاجزة، هو الملل، المتزامن مع القسوة بأبشع صورها، ولعل هذا التصور هو آخر ما ستود تخيله عن قصة حب، إلا أن المخرج مايكل هينيكه أراد -على الأرجح- أن يجبرنا على رؤية السلوك الإنساني الحقيقي الذي نحاول تجاهل تعقيده وتشوهه في كافة نتاجاتنا الفنية، وبالتالي رؤية الحب عاريًا من أدوات التجميل، باعتباره فعلًا إنسانيًا بدوره.

ويزجنا هينيكه في فيلمه الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان (كان)، وعلى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية عام 2012، داخل حياة الزوجين: جورج (جان لوي ترانتينيا) وآن (إيمانويل ريفا)، ويدعنا نتلصص منها على أسوأ مخاوفنا، نحن الذين نولد لنموت، بعد أن نجرب هذا الخراب، وفي ذروة رغباتنا، نصلي ألا نموت وحيدين كعقب سيجارة.

وقد تتحول عذابات آن شيئًا فشيئًا إلى ثقب أسود يبتلع المشاهد، هي المرأة التي تكدست الحياة فيها حتى صارت ثقيلة، وأجبرت على الهروب داخل عالم تتحول فيه إلى طفلة نزقة بشعر أبيض، ظنًا منها أن النكوص نحو الصغر سيمنحها الخفة، وصار على جورج أن يمنحها الأم التي تشتهي، الأم التي تُلبس طفلتها الجوارب، تساعدها على الاستحمام، وتهدهد هواجسها الليلية.. هكذا يتحول هينيكيه من مخرج إلى ساحر، يباغت المشاهد بإجباره على رؤية حياته كغرفة طوارئ، يتمدد فيها بكامل ضعفه الإنساني الذي يخجله، عاريًا من إرادته، متشبثًا بأكثر وجه مألوف يعرفه، وتتجسد فيه نجاته ودهشته.

يصر البعض على تفسير قتل جورج لزوجته، في نهاية الفيلم، بعد أن قدم لها مختلف أشكال الرعاية والعاطفة، على أنه فعل حب خالص خال من الأنانية، يبتغي به تحريرها من معاناتها اليومية، بعد صراعها الطويل مع المرض، إلا أن في ذلك تسطيحًا للمشاعر الإنسانية التي تنتاب الفرد في الأزمات الأخلاقية، وتجاهلًا لمبادئ تحليل النفس البشرية. فمع تتالي الأحداث تنسينا التفاصيل القاسية أن نلحظ تطور الصراع في داخله، ما بين حبه لزوجته الذي يقع في إطار القيم الأخلاقية العليا، وتحول هذا الحب إلى عبء ثقيل، مليء بالألم غير المحتمل، بسبب رؤية شخص يحبه يلاقي العذاب أمامه من دون قدرة على مساعدته، أو مساعدة نفسه ليكمل حياته، وتتجلى بداية نضج هذا الصراع في مشهد ضربه لـ “آن” حين ترفض شرب الماء.

لم تكن الخيارات كثيرة في الحقيقة أمام عقل جورج اللاواعي، فإما أن يستمر في مشاركة زوجته المعاناة، حتى تموت بشكل طبيعي، أو يرسلها إلى المستشفى أو دار العجزة، إلا أن قيمه الأخلاقية في هذه الحالة ستنتصر وسيستمر بالشعور بتأنيب الضمير إلى الأبد؛ لذا كان الخيار الأقل وطأة بالنسبة إليه هو قتلها، وبناء آلية دفاعية لا واعية، تقنعه أن هذا الفعل بداعي تحريرها من سجن الجسد، وبذلك ينجو من فخ الضمير، ولعل مشهد إمساكه للحمامة وتحريرها، محاولة مجازية من لا وعيه، لإقناعه أن دوافعه تنبع من التضحية.

يُستبعد أن يكون هدف هينيكه من القصة وضع جورج في الميزان الأخلاقي، لأن تعقيد السلوك الإنساني لن يجعل أيًا من كفتي الميزان تميل، إلا أنه يريدنا على الأرجح أن نعيد النظر في توقعاتنا المثالية عن الحب، الذي يشبهنا، ولا يمكن تعريفه -كما قدمه- بأكثر من مزيج من الدوافع العاطفية المتناقضة، التي تتفاوت تبعًا للشروط الظرفية، لضمان استمراريتنا.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/22.jpg’ attachment=’120478′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

فيلم Adaptation-عزاء لخيبات الأمل العاطفية:

لم يكن التوأمان المتطابقان: “تشارلز” و”دونالد” مجرد شخصيتين رئيسيتين في فيلم (التكيف) الذي أخرجه سبايك جونز عام 2002، بل كانا إسقاطًا حيًا لذات الكاتب العبقري تشارلي كوفمان الحقيقية، في محاولة منه لتشريح التناقضات التي يسبح فيها عقله اللاواعي.

تبدو شخصية تشارلز التي فاز نيكولاس كيج، على إثر تجسيدها بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل بدور رئيسي، واقعةً في مأزق وجودي، منذ بداية الفيلم، فهو كاتب مشهور، يحتدم في داخله الصراع بين مبادئه الفنية والأخلاقية، وما توجبه مهنته من تنازلات. يرى نفسه كائنًا مشوهًا غير مرغوب فيه، وعليه أن يكفّر بشكل دائم حول شَغله حيزًا في الوجود، ولعل إيجاده في الحب حلًا لنقصانه، إشارة ضمنية من كوفمان، إلى نظرية الفيلسوف اليوناني أرستوفان، الذي أكد في “مأدبة أفلاطون” أن الإنسان عبارة عن كيان ناقص مشوه، عليه أن يبحث عن نصفه الآخر، لعله يجد السلام.

ولا يتبنى كوفمان فكرة أرستوفان، حول مفهوم الشريك الوحيد الأبدي، على الرغم من تقاطعهما في أنّ الحب بحث عن الاكتمال؛ حيث تبدو محاولاته جلية، لسحب النص باتجاه مغاير، عن طريق إيجاد العزاء لتشارلز، لفشله في الحب، قائلًا على لسان دونالد (نيكولاس كيج) في حوار غارق بالوجدانيات: “أحببت سارة يا تشارلز، وكان ذلك الحب لي، وليس من حقها حتى سلبه مني”، ويضيف: “أنت من تحبه، وليس من يحبك”.

كذلك لا يمتد تصور كوفمان عن الحب بعيدًا عن رؤية سقراط له، ففي حين يؤكد الأول على أن جوهر الحب يكمن في ممارسة الإنسان لهذا الفعل الحيوي الخلاق، يجد سقراط أن التركيز على ماهية مشاعر الطرف الآخر، وتملكنا له، فعل خاطئ يتناقض مع كون الحب تعبيرًا عن الخير والجمال.

ولم يكن تسخير كوفمان للفن في عرض تجربته على الملأ عبثيًا، بل أسلوبًا ذكيًا لتحريرنا من خيبات الأمل القائمة على توقعاتنا المثالية عن الحب، إجبارنا على تجريد معاناتنا عن الفردية، ورؤيتها كإحدى ملايين المآسي التي تغص بها “جعبة البشرية”، إلا أن طرحه التشاؤمي هذا، لم يمنعه من إغلاق ستارة المشهد الأخير على كلمة “الأمل”.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/33.jpg’ attachment=’120479′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

فيلمLove and Death -فن الوقوف في الحب:

يرى المخرج والكاتب السينمائي الأميركي وودي ألن الحياةَ بعيني سارتر، هديةً ضخمة لا يدري ماذا يفعل بها، ويعتبر صناعة الأفلام وسيلة للهروب من قلق العدم، وخواء المعنى، إلا أنه مع ذلك لا يتوقف في نصوصه عن طرح الأسئلة الكبرى التي تدور حول الهدف من استمرارية الجنس البشري، وتحمّله عبء هذه المسؤولية.

يقدم ألن الحبَ كإجابة محتملة لمشكلة الوجود، في فيلم (الحب والموت)، ويشير إلى ذلك بشكل جلي في مشهد انتحار بوريس (يؤدي دوره وودي ألن نفسه)، الذي تعاوده الرغبة في الحياة فجأة، عندما يتذكر حبيبته سونيا (ديانا كيتون)، ويتمنى لو يعانقها ويبكي على كتفها.

يصور عالم النفس الألماني إريك فروم، الوقوع في الحب على أنه فعل سهل يستطيع الجميع القيام به، في حين يضفي القيمة الإيجابية على “الوقوف في الحب” والبقاء فيه، باعتباره فنًا يستلزم التدرب على ممارسته، وفعلًا معرفيًا، يتطلب القدرة على العطاء بلا مقابل، ويمنح الترفع عن النرجسية، فبوريس الذي كان يُنعت بالجبان، يجد القوة لمواجهة حكم الإعدام على جريمة لم يرتكبها، وسونيا التي كانت تنجذب للمال، وتندفع نحو رغبتها الهوجاء لإشباع حاجاتها الجنسية، تتحول إلى شخص يجد السعادة في تناول قطع الثلج، حين “تتعلم” كيف تحب بوريس، وتصبح رغباتها الجنسية نابعة عن هذا الحب نفسه، بعد أن كانت غاية بحد ذاتها؛ حيث نجد ألن يؤكد على لسانها، أن الجنس من غير حب غير قادر على هدم الهوة بين شخصين سوى لحظات، على الرغم من شراهة شخصياته لذلك، وتقديمه عدة نماذج لعلاقات ساذجة سهلة، ويرجح أن هذا جزء من أسلوبه المتفرد في السخرية من القوالب النمطية التي يعرف بها المجتمع الحب.

كما نجد، في ما ورد على لسان سونيا حول بحثها عن الحب بين شخصين استثنائيين، إشارةً إلى استنكار ألن فكرة ذوبان المحبين في شخص واحد، وتأكيدًا لفكرة فروم، أن الحب اتحاد اثنين، يبقيان اثنين.

قدّم وودي ألن هذا الفيلم بطابع كوميدي لطيف، إلا أنه -كما عهدناه- لم يستطع التخلي عن نزعته التشاؤمية، حيث يختتمه على طريقة شوبنهاور، بربط الحب بالمعاناة التي لا تنتهي إلا بالموت.

Authors

مقالات ذات صلة

إغلاق