تحقيقات وتقارير سياسية

لجنة بوتين – دي ميستورا الدستورية والسباق لقتل الثورة السورية

تتسابق شخصيات ادّعت معارضتها وتمثيلها للثورة السورية، إلى إعداد قوائم مشاركين في اللجنة الدستورية التي أعلن عنها أول الأمر رئيس النظام الروسي فلاديمير بوتين، وتلقفها دي ميستورا ليجعلها مشروعه الوحيد، بعدما استنفد كل “ألاعيبه” لحرف مسار الثورة السورية عن مطالبها، بذريعة ضرورة محاربة الإرهاب أولًا، ثم بالسلال الأربعة التي ابتدعها، ومن ثم اقتراح اللجنة الدستورية إنقاذًا له ولفريقه، ليستمر في عمله وتستمر مهمته بتهميش وتفريغ هدف ومضمون الثورة السورية، وهو إسقاط نظام الاستبداد وبناء الدولة الديمقراطية المدنية.

من غير الواضح أكان المتسابقون يعلمون ما يفعلون ويقصدون فعلًا، أم هم جاهلون، أم سُذّج أم متذاكون أم لاهثون وراء سراب، أم هم مدسوسون أساسًا من قبل النظام المجرم في دمشق، للقيام بهذا الدور، لكن من باب حسن النيّات بالآخرين، سنُحاول توضيح مخاطر العمل والتسابق لهذه اللجنة، عسى أن يرتدع من لا يعلم أو يعلم ويلهث وراء تواجد ما أو مظهر ما أو موقع، وليكتشف السراب من يبحث عن الماء، ولينكشف من لديه أجندة مرتبطة مع نظام دمشق.

أول أهداف اللجنة المذكورة هو هدر الوقت، حيث سيتم البحث طويلًا في هذه اللجان، وفي عملية تشكيلها وعملها واجتماعاتها ومادة النقاش فيها، وهل ستضع دستورًا جديدًا أم ستقوم بتعديل دستوري، كما سينشغل المجتمعون بنقاط النقاش ونقاط الاختلاف؛ ما يتيح الوقت الكافي، وربما أكثر من الكافي، للنظام ليُكمل سيطرة حلفائه العسكرية على كل سورية المسموحة لهم، بموجب اتفاقات تقاسم النفوذ، وعندما يأتي هذا الوقت، لن يعود لوجود هذه اللجنة وعملها أي معنى، وبالتالي ستنفرط دون عودة ودون تحقيق أي شيء.

ثاني الأهداف هو إغراق السوريين في الخلاف على نقاط الدستور، وبخاصة النقاط الخلافية في ما يتعلق بالدين والقومية على الأخص، إضافة إلى السياسية؛ كطبيعة النظام وصلاحيات الرئيس، وسيتم تعميق انقساماتهم؛ فعملية جمع أطراف سياسية للنقاش حول الدستور هي وسيلة لإشعال الخلاف وتأجيجه، ونقله من بواطن النفوس إلى العلن، بحيث سيفقد السوريون نهائيًا فرصة اللقاء مستقبلًا، وبالتالي ستترسخ مناطق النفوذ، في محاولة لتطويرها لتقاسم ومن ثم تقسيم، والعمل العسكري على الأرض وجرائم التهجير القسري من كل المناطق هي جزء أساس من هذه الخطة، وفي أحسن الأحوال ستتم العودة إلى دستور 2012 المُطبّق حاليًا، لتفادي الخلاف أو لإثبات أن السوريين لن يتفقوا إلا بالقوة، وتحت القمع والقهر.

ثالث الأهداف أن هذه اللجان ستقوم بتفريغ القرار الدولي 2254 الخاص بسورية من مضمونه، وهو الذي ينص على قيام مرحلة انتقالية وهيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات غير طائفية، يصاغ من خلالها الدستور الجديد لسورية، وهذه اللجنة تضع الحصان أمام العربة، وتلتف وتُعطّل كلّ مضامين القرار الدولي، بل تنسفه من أساسه، وقبول المتسابقين بذلك يعني تنازلهم المسبق عن المرحلة الانتقالية، وقبولهم بالنظام وشرعيته، وتنازلهم عن التمسك بهذا القرار وتطبيقه، وبالتالي سيتجاهله كل العالم وكأنه لم يكن، وستسقط المرحلة الانتقالية نهائيًا من الحلول المقترحة أو المعمول عليها، كما ستسقط المرجعية القانونية الدولية التي من المفروض أن أيّ حلّ دولي يُقدّمه الأطراف يجب عليه الاستناد إليها، وبالتالي سيُفسح المجال لمرجعية القوة على الأرض، وفرض الحلول العسكرية دون رادع، وستفقد المعارضة السورية ورقة القوة الدولية الوحيدة التي لبّت جزءًا بسيطًا من مطالبها.

رابع الأهداف وآخرها، وهو أخطرها على الإطلاق، إعادةُ الشرعية الداخلية والخارجية للنظام، فإذا افترضنا جدلًا -رغم شبه استحالته- أن هذه اللجنة توصلت إلى صيغة ما لتعديل دستور 2012، أو حتى إلى وضع دستور جديد، فكيف سيجري إقراره؟ حتمًا سيتم الاستفتاء عليه، ومن سيُجري هذا الاستفتاء المفترض هو النظام نفسه، وتحت سلطته وبإشرافه، وهو من سيمنح الشرعية للاستفتاء وللتعديلات أو للدستور الجديد، ثم، كيف سيجري الاستفتاء، وكيف سيقوم السوريون المشردون بكل البقاع بالتفكير بدستور، وهم يفكرون كيف يُطعمون أطفالهم أو يجدون مأوى يأويهم، وطبعًا إذا جرى الاستفتاء في هذه الأوضاع، فإن سلال الإغاثة كفيلة بشراء كثير من أصوات السوريين المساكين والفقراء. وعلى ذلك؛ فإن الدخول في هذه اللجنة، وخوض النقاش حول الدستور ضمنها، هو اعتراف مباشر -وليس غير مباشر- بشرعية النظام، وأهليته لتعديل أو إقرار دستور جديد، ومنحه الشرعية القانونية، وبالتالي التنازل مسبقًا عن مطالب عدم شرعية النظام، التي أقرها العديد من دول العالم، ليس بسبب فقدانه الشرعية القانونية كما هو حقيقة، بل على الأقل بسبب ارتكابه أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية بحق سورية والسوريين، وبالتالي يسقط تمامًا سببُ انطلاق الثورة السورية وسبب استمرارها، وتصبح هي السبب والمسؤولة عن كل الجرائم التي تم ارتكابها.

نضع هذه الحقائق البسيطة برسم اللاهثين وراء سراب، أو السائرين باطمئنان، نحو فخ عميق -هذا بعد اعتبار حسن النيّة في أفعالهم- كما نضع هذه الحقائق برسم السوريين، ليكتشفوا ويكشفوا من يُضللهم ويتلاعب بيأسهم أو أوضاعهم الصعبة ومعاناتهم، ليُبرر دخولهم في متاهة لن يخرجوا منها سالمين، وتحت شعارات إنقاذ الأرواح أو إغاثة المحتاج أو “هذا أحسن الموجود”، ونحن جميعًا خبرنا أن ست سنوات من مهازل جنيف وغيرها لم تنجح في إطلاق سراح معتقل واحد، ولا قدّمت إغاثة لمحتاج، ولم تنقذ طفلًا مات بسبب الجوع والحصار، ولم تردّ برميلًا متفجرًا، ولم تُعِد بناء مأوى لعائلة بالعراء، وكل ما حققته هو إقامات في الفنادق ورحلات مجانية وتصريحات صحفية وأسماء لامعة ووجوه زعامات وهمية، فيا من تُشاركون في هذه المهازل، أوقفوها واعتزلوا، أو خبئوا وجوهكم، لأنكم ستخجلون على ما فعلتم أبدًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق