أدب وفنون

خيري الذهبي، قامة فارقة في مسيرة الأدب السوري

آخر ما قرأته، في صفحة صديقي الموسوعي خيري الذهبي على (فيسبوك)، تلك الكلمات الصادمة بسخريتها ودلالتها. كتب: عشت طفولتي أتفرج على ساعة الجريدة الرسمية في دمشق التي لا تعمل ولا تدل على الوقت، وكان على مقربة من مبنى الجريدة الرسمية البناءُ الخارق الجمال: محطة قطار الحجاز، وفي أعلى جداره نصبت ساعة ضخمة دقيقة الدلالة على الوقت الصحيح، بحيث كان الناس يضبطون ساعاتهم على رنينها. وكنت أتأمل الساعتين، مرة في اليوم على الأقل، فأرى ساعة الجريدة الرسمية المعطلة، وساعة محطة الحجاز التي مضى على رفعها فوق مبناها الذي شيِّد في عهد السلطان العثماني عبد الحميد منذ عشرات السنين، وما زال الناس يقصدونها لضبط ساعاتهم. ولم أرَ يومًا من يضبط ساعته على ساعة الجريدة الرسمية المتوقفة، منذ تم رفعها على برجها.

وحين عزمت على كتابة مقال عن خيري الذهبي، بتشجيع من صديقنا المشترك غسان الجباعي، كتبت له: صديقي الغالي، كل المحبة والتقدير. أريد أن أكتب عنك لصحيفة (جيرون)، وأود أن ترسل لي -إن أحببت- أسطرًا قليلة تود أن يعرفها الناس عنك (مما لم يطلعوا عليه بعد) مع بالغ تقديري. فأجاب: (صباحك خير وسعادة وألفة، يا صاحبي العتيق صاحب صوت الحق العالي، صدقني لا أعلم، لكنني أعتقد أن صفحتيّ على (فيسبوك) و(ويكيبيديا) ستكونان مفيدتان في هذه الحالة). والحقيقة أن خيري لا يغادر (فيسبوك) يوميًا قبل أن ينشئ في صفحته مقالًا في التاريخ الغارق في القدم، أو عن ذكرياته الثرية في دمشق، وعموم سورية في الفن والثقافة والسياسة والمجتمع. يدهشك خيري بذاكرته التي لا تغادر تفصيلًا، وبمعلوماته الموسوعية عن تاريخ منطقة الشرق الأوسط خاصةً، بمخاضاتها السياسية والحربية والدينية والقومية والعنصرية. ويحفل سجل كتبه تأليفًا وترجمةً من الإنكليزية بمعظم ألوان فن الرواية والقصة، وكتب التاريخ التي تعتمد التوثيق، وسير شخصيات عربية وإسلامية، وحكايات دمشقية توصيفية حد الإدهاش، بصورها ومناخاتها ودلالاتها. ومن تلك الكتب: ثلاثية التحولات: وهي روايات حسيبة 1987 ورواية فياض 1989 ورواية هشام 1997. ومجموعة قصص: (الجد المحمول) 1993 ورواية: (فخ الأسماء) 2003 ورواية: (لو لم يكن اسمها فاطمة) 2005 ورواية: (صبوات ياسين) 2006 ومقالات مختارة بعنوان: (التدريب على الرعب) 2006 ورواية: (رقصة البهلوان الأخيرة) 2008 ورواية: (الإصبع السادسة) 2013 ومحاضرات في البحث عن الرواية 2016 ورواية: (خرائب اليازجي الأخير) 2018.

في سيرة خيري الذهبي نقرأ: خيري الذهبي روائي ومفكر سوري من مواليد دمشق 1946 غادر إلى مصر في بداية الستينيات، وتلقى هنالك تعليمه الجامعي في جامعة القاهرة، وتخرج حاملًا الإجازة في اللغة العربية، حيث درس الأدب العربي، وتتلمذ أدبيًا على يدي يحيى حقي ونجيب محفوظ وطه حسين، ثم عاد إلى سورية، وساهم في الحركة الثقافية السورية بكثافة، وفي الصحافة والإذاعة والتلفزيون والأدب بشكل خاص. حاز على جائزة أدب الأطفال الأولى في السبعينيات، وشارك في تحرير العديد من دوريات وزارة الثقافة واتحاد الكتاب. ومن أعماله الدرامية: ملكوت البسطاء. الشطار. طائر الأيام. الوحش والمصباح (تيمور لنك). أبو حيان التوحيدي. البناء 22. لك يا شام. مخالب الياسمين. وردة لخريف العمر. رقصة الحبارى. حسيبة. ملحمة أبو خليل القباني. ومن الأفلام التلفزيونية (وجوه ليلى. العنوان القديم. ورواية حسيبة التي تحولت إلى فيلم سينمائي).

مرة أخرى طلبت من خيري الذهبي أن يكتب لي قصصًا من حياته لم يقلها بعد، فلبى ندائي وكتب:

في العام 1971 استُدعيت إلى الخدمة العسكرية، وكنت قد قضيت سنتين حلوتين في الحسكة قبل الالتحاق بالجندية… في هاتين السنتين تخليت عن ماضيَّ في التأليف والترجمة، فشعرت بالفراغ وأدمنت لعب الورق والطاولة والتدخين وشرب الكحول، فلما التحقت بالجندية، اختاروني للعمل ضابط ارتباط في الايسماك “اللجنة الأممية لمراقبة فصل القوات السورية عن الإسرائيلية”، فأدمنت الحياة الرخوة ثانية، ولكن الخلوة والفراغ أعاداني إلى القراءة، فكان أن قمت في العام 1973 بمغامرة الكتابة الروائية، فكتبت روايتي (ملكوت البسطاء)، في ستة عشر يومًا هي أيام المناوبة في المخافر، خلال شهر، وكان معي الناقد الكبير خلدون الشمعة، يتابع عملي باهتمام، فلما أنهيتها قرأها، ثم اختفى عقب انتهاء خدمته العسكرية، فقلقت بعض الشيء، لكنه ما لبث أن ظهر في حياتي ثانية ليقول: إنه سَلَمَ الرواية إلى اتحاد الكتاب الذي لم أكن قد سمعت به، ثم اختفى المخطوط في بطن الحوت، وكنت قد سُرحت من الخدمة العسكرية، فسافرت إلى السعودية مع زوجتي، نسعى إلى شراء بيت في سورية من فائض أجورنا، وظهرت الرواية في غيابي، كما ظهر كتاب كنت قد ترجمته عن الإنكليزية لصالح السفارة البلغارية، وكان اسمه (قصص من بلغاريا)، ولكن المحزن أن الكتابين صدرا أثناء غيابي، ثم عدت إلى دمشق، والتقيت في اتحاد الكتاب بالمخرجين التلفزيونيين: سليم صبري، ورياض ديار بكرلي اللذين حضرا اجتماعًا كنت فيه، وأعربا عن حاجتهما في التلفزيون إلى التعاون مع اتحاد الكتاب، وأنهم منفتحون على قراءة كل نص جيد، فقدمت لهما روايتي الأولى والجديدة (ملكوت البسطاء)، وكانت المفاجأة أن سليم صبري اتصل بي بعد أسبوع ليقول: إنهم قبلوا النص، وأنهم ينتظرون مني السيناريو، فكتبت السيناريو ليتحول الى مسلسل بـ “الأبيض والأسود”. في تلك الأثناء كنت قد تعرفت إلى الوسط الأدبي، وكان عليَّ تعزيز وجودي في الساحة، فدخلت هذا العالم كبيرًا مع رواية ومسلسل، فلم يستطيعوا تجاهلي المعتاد في التعامل مع من هو دمشقي. فدخلت الوسط قويًا، ثم أكملت الرحلة في رواياتٍ لست راضيًا عنها اليوم، لكنها قوبلت بتقريظ من الإعلام السوري ثم أخذت أفكر: يا خيري، أنت لم تُخلق لهذا، لم تخلق لتكون الخائف والمتنكر تحت أقنعة عديدة لتنشر أعمالك. في رواية (ليالي عربية) تحدثت عن حرب أهلية غير معروفة الهدف، بعد خذلان المثقفين للشعب، من قوميين عرب إلى شيوعيين، أو من الإخوان المسلمين، ولكني خفت من جعل مسرحها في دمشق، فجعلته على عادة السوريين في بيروت!! ولكني لم أرض عن كل هذا، فتوقفت عن الكتابة وانغمست في قراءة الأدب العربي الكلاسيكي الذي كنت قد رفضته منذ قرأت رائعة لورنس داريل (رباعية الإسكندرية) وأمضيت ثلاث سنوات أقرأ النصوص العربية القديمة، كما كنت اقرأ التاريخ العربي والإسلامي. وأخيرًا قررت المواجهة وكتابة رواية عن دمشق فوضعت رواية (حسيبة) أو الاسم العام للثلاثية “التحولات” وقد عنيت بها “التناسخات” فكانت صرخة أدبية في عالم من صمت الاتحاد الحريص على تزيين الحاضر البعثي، والماضي المجيد، فصنعت الرواية لنفسها مجدًا خاصًا، أتبعته بعد سنتين برواية (فياض) ثم برواية (هشام أو الدوران في المكان)، وتركت هذه الثلاثية أثرًا مهمًا في الساحة الأدبية السورية.

كانت علاقة الأدباء الشباب بالدولة فظيعة فجة. فأثناء الخدمة العسكرية كنا ممنوعين من الخروج من سورية إلا ضمن وفد مراقب من رئيس الوفد، وكانت هذه الوفود التي ندعى إليها نادرة، فحين كنا ندعى لحضور ندوة أو إلى المشاركة في جوار خارجي كانت التأشيرة تقف حائلًا يستحيل دونها السفر، فلكي تصدر الموافقة عن المخابرات وشؤون الضباط، يلزمها أكثر من ستة أشهر، يكون المؤتمر خلالها قد انتهى ويكون رئيس الاتحاد قد تشفى من خصومه، وكان القانون ينص في ذلك الحين على أن من تجاوز الخمسين عامًا يعفى من تأشيرة الخروج، فكنت أصلي لله واشتهي بلوغ الخمسين، حتى لا تبقى لهم حجة بعدم إبلاغي بالدعوات لحضور هذا المؤتمر أو ذاك. فلما قاربت الخمسين فوجئنا بصدور قرار يؤجل السماح لمن بلغ الخمسين من تأشيرة الخروج إلى من بلغ الستين، وكنا نسخر قائلين: إنهم ينتظرون موتنا كي يبلغوننا بالاشتراك في المؤتمرات. في العام 2005 دعيت إلى مؤتمر للكتاب في القاهرة، فلقيت هناك صديقًا قديمًا هو الناقد المصري الكبير فاروق عبد القادر الذي فاجأني بالقول: (الله هو انت هنا يا خيري؟ أنا كنت فاكرك هاجرت)!! وكان على حق في ظنه أن أكون قد هاجرت إلى نهاية الدنيا…..

صديقي توفيق ذكريات أيقظتها في ذاكرتي، وهي ذكريات شديدة المرارة، ولست الوحيد الذي عانى منها بل كل الشعب السوري، إلا من رضيت عنه أجهزة الأمن.

تحياتي الحارة

خيري الذهبي، عمّان 17\ 6 \2018.

مقالات ذات صلة

إغلاق