تحقيقات وتقارير سياسية

الإسلاميون في حضن الأسد ورعايته

في الخامس عشر من أيار/ مايو 2006، كتبت مقالًا بعنوان “ليس بالجمعيات والمدارس الدينية تُبنى الأوطان”، تحدثت فيه عن مخاطر الترخيص للجمعيات والمدارس الدينية، والسماح للقبيسيات بالنشاط العلني، وتخفيف القيود على العناصر الدينية المحافظة، والسماح بإقامة أنشطة دينية في الملاعب الرياضية، وإلقاء محاضرات دينية على العسكريين… الخ، وفي الوقت نفسه يُحظَر أي نشاط للجمعيات المدنية التي تُمارس نشاطًا ثقافيًا أو سياسيًا معارضًا، أو حتى تلك التي تهتم بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، وتساءلت حينذاك: لماذا لا تترك الحكومة الحرّية لجميع أطياف المجتمع وألوانه أن تعبّر عن نفسها، في إطار من الشرعية القانونية، بعيدًا من ممارسة للعنف والإقصاء والتكفير والتخوين؟

في اليوم التالي لنشر المقال المذكور؛ وردني اتصال هاتفي من أحد الأشخاص عرّف نفسه بأنه من فرع أمن الدولة، حذّرني من استمرار الاعتراض على قرار الحكومة بالترخيص للقبيسيات، وإلا؛ فسيتم اتهامي بإثارة النعرات الطائفية، فقلت له: “إن الترخيص لمثل هذه الجمعيات الدينية سلاح ذو حدين، سيشكل خطرًا على سورية في المستقبل، فأمثال تلك الجمعيات شكلت تاريخيًا الوعاء والتربة الخصبة التي خرّجت الحركات التكفيرية، وهنا قاطعني بقوله: “هل تعرف حضرتك أكثر من الحكومة؟! لا تخشى شيئًا! فالحكومة تعرف ما تريد وكلهم تحت سيطرتها، المهم أنت تقصّر لسانك”، ثم أقفل الخط في وجهي.

بتاريخ 5/ 6/ 2009، نشرتُ مقالًا آخر بعنوان: “أول بلد في العالم يسمح للمسيحي بالزواج من اثنتين”، تحدثت فيه عن قرار سرّي لرئيس مجلس الوزراء ناجي العطري حمل رقم 2437 تاريخ 6/ 7/ 2006 بتشكيل لجنة مهمتها إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري، حيثُ بقيت اللجنة تعمل بسرّية تامة حتى أنجزت المشروع بتاريخ 5/ 4/ 2009، فتم إرساله إلى بعض الجهات لإبداء رأيها فيه، وبعد تسريبه فوجئ كثير من السوريين بمضمونه الظلامي الذي يصف المسيحيين بالذمة ويجيز لهم تعدد الزوجات، كما يمتهن كرامة المرأة… الخ.

أثارت مقالتي عن ذلك المشروع ضجة كبيرة في ذلك الحين، حيث تم استدعائي على أثرها إلى “فرع فلسطين” بتهمة إثارة النعرات الطائفية، وأذكر أنني شرحت للضابط خطورة هذا المشروع على المجتمع السوري، وأن من يُثير النعرات الطائفية هو رئيس الوزراء الذي أمر بتشكيل هذه اللجنة السرّية للعبث بالمجتمع السوري، وأن دوري اقتصر على فضح هذا المشروع لمنعه من الصدور، هذا المشروع الذي وصفه كثير من السوريين بـ “المشروع الظلامي”.

وعلى الرغم من طلب رؤساء الكنائس من الأسد شخصيًا وقف هذا المشروع، فإن شيئًا من ذلك لم يحصل، ومع اتساع حملة مناهضة هذا المشروع الظلامي التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، اضطر بعدها رئيس مجلس الشعب في 29/ 6/ 2009 إلى الإعلان عن سحب المشروع من التداول، واعتباره كأن لم يكن، رغم معارضة العطري لسحبه من التداول وإصراره على استكمال دراسته من جديد.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، وقع بين يدي تعميمٌ صادر عن مكتب الإعداد والثقافة والإعلام القطري الذي يرأسه هيثم سطايحي، مؤرخًا في 23/ 8/ 2009، يُروّج فيه لجماعة دينية سلفية تتبع الشيخ عبد الهادي الباني، تدعو إلى إقامة “إمارة إسلامية” في سورية، وتعتبر خروج المرأة من البيت حرامًا والتلفزيون كفرًا، وقد أفزعني محتوى التعميم، فقمت على الفور بتسريبه إلى الإعلام، وأحدث تسريبه ضجة كبيرة، في مختلف الأوساط الثقافية السورية وفي خارجها، ومن ضمن ذلك مقربون من الأسد نفسه.

وعلى الرغم من فضيحة التعميم المذكور، فإن الأسد لم يكتف بعدم الاستجابة لمطالب كثير من البعثيين، حتى المقربين منه، الداعية إلى معاقبة سطايحي على هذا التعميم وإعفائه من منصبه، بل فعل العكس أن قرّبه منه، حيث عيّنه مستشارًا سياسيًا له، وإن دلّ هذا على شيء؛ فإنما يدلّ بوضوح كيف أن نظام بشار الأسد الذي يدعي العلمانية وأنه حامي الأقليات، كان من تحت الطاولة يشجع الفكر السلفي الجهادي، ويغض النظر عن نشاطاته وأهدافه.

بعد اندلاع التظاهرات الشعبية ضد نظام الأسد بنحو 45 يومًا، بادر الأسد شخصيًا إلى إصدار عفو عام عن آلاف الإسلاميين المتشددين من سجونه بتاريخ 31/ 5/ 2011، كان من بينهم عدد من قادة الجماعات الاسلامية المسلحة التي تشكلت في سورية، وبعد عدة أيام من ذلك تم استدعائي إلى “فرع فلسطين” على خلفية تصريحاتي حول اعتقال الناشطين المدنيين وإطلاق سراح المتشددين، وأذكر أن الضابط الذي كان يحقق معي قال لي: “لماذا أنت معترض على إطلاق سراح من تسميهم بالمعتقلين؟ ألست أنت من تطالب بإطلاق سراحهم؟ وها هو السيد الرئيس استجاب إلى طلباتكم، ولك شو بدكم أكتر من هيك؟”. قلت له: “نعم هذا صحيح، ولكنكم أطلقتم سراح المتشددين ليس لأنكم فعلًا استجبتم لمطالبنا، بل لأنكم تريدون خرق التظاهرات الشعبية وحرفها عن مسارها المدني وإضفاء الطابع الديني عليها، بواسطة المتشددين الذين أطلقتم سراحهم، لأنكم تعرفون مسبقًا ماذا سيفعل هؤلاء، بمجرد خروجهم فالظروف مواتية لهم، ثم تقولون للعالم إن هذه ليست ثورة شعبية، بل دينية متشددة، لتبرروا لأنفسكم قمع حركة التظاهرات بهذه الذريعة، وإلا كنتم أطلقتم مع هؤلاء المتشددين سراح العلمانيين والناشطين المدنيين أيضًا”، فردّ علي الضابط قائلًا: “إن ما يجري ليس ثورة شعبية، بل هي ثورة إسلامية”، فقاطعته قائلًا: “وهل العلويون والمسيحيون والدروز الذين يشاركون بالتظاهرات يريدون إقامة دولة إسلامية أيضًا؟ وهل إطلاق سراح هؤلاء المتشددين سيساعدكم في القضاء على الثورة الإسلامية؟”، وهنا ردّ عليّ الضابط بغضب: “كلامك خطير وغير صحيح، ولا أريد أن أسمع منك هذا الكلام مرة تانية، وإلا؛ بتعرف شو بصير”، وانتهى اللقاء حينها بأن تعهدتُ له بعدم تكرار هذا الحديث.

أسوق هذه الأمثلة، للتأكيد أن الحضور الديني في سورية -الإسلامي خاصة- ما كان ليتمدد لولا رعاية وتشجيع نظام الأسدين نفسه، فها هو التيار الديني يطغى ويتمدد اليوم أكثر من أي وقت مضى باعتراف الموالين أنفسهم الذين وقفوا طيلة السنوات السبع الماضية مع حرب “الأسد”، لاعتقادهم أنه يُشكّل السد المنيع الذي سيحميهم من خطر الإسلاميين، قبل أن يكتشفوا اليوم بعد كل التضحيات الكبيرة والمؤلمة التي قدّموها، في معركة كانوا يظنون أنها معركتهم، أن الأسد لم يكن يومًا حصنًا للعلمانية بل حضنًا للإسلاميين الموالين له، فهاهم يعبرون على صفحات التواصل الاجتماعي عن سخطهم لهذا النفوذ الواسع والمؤثر للإسلاميين، ابتداء من وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية الذي يبرم اتفاقات تعاون مع الجامعات السورية، وليس انتهاء بالقبيسيات التي ازداد نفوذها مؤخرًا في سعيها نحو أخونة المجتمع السوري بكل الوسائل المتاحة لها.

هذا ما دفع العديد من الموالين إلى مناشدة رئيسهم لوضع حد لنشاط القبيسيات، بل وصل بهم الأمر إلى مناشدة القوات الروسية بنقل مطالبها الاحتجاجية للرئيس لاعتقادهم أن ثمة من يمنع وصول صوتهم إلى رئيسهم.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن انتشار الجمعيات والمدارس الدينية، وتشجيع المظاهر الدينية أو السكوت عنها، لم يقتصر على الشارع السنّي، بل شمل أيضًا الشارع المسيحي، حيث لوحظ ازدياد الأنشطة الدينية التي ترعاها الكنائس أيضًا، كما لوحظ انتشار لظاهرة التشييع واللطم، كل ذلك على حساب منع الأنشطة المدنية. وهو ما ينذر بعواقب خطيرة على المجتمع السوري في المستقبل.

لقد حان الوقت ليدرك جميع السوريين وخاصة الموالين لنظام الأسد، أن هذا النظام لا يهمه أن يكون المجتمع السوري سلميًا، بقدر ما يكون هذا المجتمع قابلًا للسيطرة والخنوع، واستنادًا إلى ذلك لم يجد النظام حرجًا في التحالف مع النخب الدينية خاصة مع الأكثرية الدينية، وتسهيل أنشطتها بصرف النظر عن نتيجة تلك التحالفات وانعكاسها السلبي على المجتمع مستقبلًا، طالما أن تلك التحالفات تؤمن له الشرعية في استمرار سيطرته على المجتمع.

ترى هل يقود هذا الوعي المتأخر، خاصة في صفوف الموالين لنظام الأسد، لخطر الأنشطة الدينية من جمعيات ومدارس دينية، إلى نشوء معارضة مدنية سياسية لنظام الأسد، تنقذ البلاد من أي خضات مدمّرة في المستقبل؟

مقالات ذات صلة

إغلاق