تحقيقات وتقارير سياسية

“حماس” الفتنة والمنطق

أيًا تكن تبريرات رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) إسماعيل هنية، لمراجعة مواقف حركته من الثورة السورية والنظام في دمشق، فإنها تعني شيئًا واحدًا، بالنسبة إلى متابعي التطورات الميدانية والسياسية على الساحة السورية، وهو تحديد شكل العلاقة مع النظام الذي أعاد سيطرته على مناطق مهمة في سورية، بفضل الإسناد الإيراني والروسي، وقد اختار هنيّة وسيلة إعلام روسية ليقول: إن الحركة لم تقطع العلاقة مع النظام في سورية، واصفًا ما يجري فيها بأنه تجاوز “الفتنة”، إلى تصفية حسابات دولية وإقليمية.

الموقف المعلن لا علاقة له بما يدعيه زعيم (حماس) عن “الفتنة”، ولا عن تصفية الحسابات، وإنما بأمور أخرى تتعلق بالمكاسب، مع أن هناك تصفية للحسابات بالفعل، ويمكن لـ (حماس) وغيرها التدقيق مجددًا في حالة مخيم اليرموك: كيف تمت تصفية الحساب معه، بالطائرات والصواريخ والدبابات التي جرفت مقابر الشهداء، بالجرائم التي غيبت مصير مئات من أبنائه.. بالقتل تحت التعذيب، فضلًا عن الآلاف الذين استشهدوا نتيجة وحشية النظام تجاه الشعب السوري والفلسطيني. تصفية الحساب هي مع الشعب السوري، من نظامٍ قاتل يعرف السيد مشعل، وكل قيادات الفصائل في دمشق ورام الله وغزة وغيرها، حقائقَ الأمور على الأرض، مع أنهم دفعوا ثمن مواقف حملوا وزرها من نظامٍ، قام بقتل عشرات من كوادر الحركة في مخيم اليرموك، كانوا يعملون في المجال الإغاثي والإنساني. لكن يبدو أن التنكر لهذه الجرائم يخدم بالدرجة الأولى المصلحة الحزبية المرتبطة بالانتهازية!

عندما كانت حناجر السوريين تصدح بالحرية، وتملأ شوارع ومدن وأزقة سورية، جُذبت مواقف واصطفافات مشبوهة، ومن ضمنها موقف (حماس)، من الثورة السورية، لم تكن مبدئية يومًا بل مبنية على حساب المصالح. وعندما اختارت طهران ودمشق تدفيع الحركة الثمن، بالشكل الذي أهينت به في سورية؛ قدّم قائدها الجديد في غزة، يحيى السنوار، في آب/ أغسطس الماضي، إشارات الولاء لطهران ودمشق، عندما وصف علاقة حركته بإيران بـ “الممتازة”، وأمل “أن تتفكك الأزمة الداخلية في سورية”، وأن يفتح ذلك الأفقَ المسدود ترميمُ العلاقة معها.

إذا كان الثمن الذي تنتظره حركة (حماس)، أو غيرها من حركات “التحرر الوطني” أو المقاومة، هو تلك النتائج التي قدّمها لهم أسدهم الصغير في دمشق؛ فبئس الأثمان تدمير مخيمات الفلسطينيين وتحطيم حياتهم، بعد سيطرة ودمار على مدن وقرى سورية، ليعيد أصحاب القضية تعريفهم للنضال والمقاومة من جعبة طهران وحنجرة النظام في دمشق، بأن “طريق القدس” الذي حفره الأسد وحلفاؤه فوق الأراضي السورية لا يندرج في باب “الفتنة” التي نبّه هنيّة منها، مع أن ما جرى هو مجازر متراكمة لا يبرر إنكارَها سوى نفخ الجيوب بالتومان الإيراني، ذلك جوهر القضية والموقف، ولا علاقة للفتنة المتخيلة في ذهن الحركة الإسلامية، بتبرير ما ارتكب من جرائم.

الأضرار والخذلان الكبير الذي وقع على الثورة السورية والشعب السوري، وعلى الشعب الفلسطيني، لن يضيف إليه موقفُ حركة (حماس) بعودتها لحضن الأسد، بعد دفء الجيب من التومان الإيراني، إلا خذلانًا وضررًا يعود على الحركة أولًا، وعلى رصيدها المضروب والمقتول والمدمر في سورية، فعلى ماذا تراهن بقايا (حماس) في دمشق وغيرها؟ أعلى أملٍ يأتي من طهران ودمشق، خصوصًا بعد سحق مخيماتهم وتشتيت شعبهم؟ وهل يستطيع أحد منهم أن يقدّم رهانًا غير مرتبط بالمال السياسي؟ بالتأكيد لا.

أخيرًا قال هنية: “نأمل أن يعود الأمن والاستقرار والسلم الأهلي في سورية، وأن تعود إلى دورها الإقليمي القومي”. وكأنه لا يعلم أن المواقف لن تستقيم بإعادة تدويرها مجددًا، ولن تستطيع كل قوى العالم تسويقَ الأسد ونظامه المثقل بجرائم العصر، وقد دفعت طهران -في سبيل ذلك- مليارات الدولارات وقدمت مختلف أنواع السلاح، وكذلك تفعل موسكو، في ظل نفاق وتخاذل المجتمع الدولي. لن تضيف (حماس) إلى جعبتها وآمالها سوى خذلان كبير، أصابت به من قبلُ ذلك المجتمعَ الفلسطيني، الذي هو بحاجة إلى مراجعة مواقف (حماس) وتوجيه رسائل حقيقة ومد الأيدي.

هذه الآمال تعني ببساطة شديدة، لأي طفل في سورية، سخريةً واستهزاءً، وتعني الخواء والهراء لمن شهد نظامًا دمّر ثلاثة أرباع بلده، وهجّر الملايين من سكانه وقتَل مليون سوري. أي جدوى من أن تقول لهؤلاء إن لهذا النظام دورًا “قوميًا”، مع أن بديهيات المنطق تشير إلى أن مصير هذا النظام الزوال إلى محاكم دولية تحاكمه عن جرائم مستمرة، إلى ما بعد آمال هنيّة القريبة من جيوب طهران، والبعيدة من واقع السوريين والفلسطينيين، لكنْ مَن قال إن المواقف من الثورة السورية ومن تضحيات السوريين ترتبط بالمنطق، وهل هناك فتنة أكبر من أن يكون لـ (حماس) إعادة تموضع في جبهة مجرمين وقتلة؟

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق