أدب وفنون

الجثة

كانت الشمس على رؤوس الجبال، على وشك المغيب، في ذاك اليوم الموشى بالصمت والأحزان. سبق الرجال الذين يحملون نعش والدي، باقي موكب الجنازة في دخول المقبرة. كنت في مقدمة حاملي النعش. أرفعه بكلتا يدي اللتين هدّهما التعب والخدر. ألوك في جوفي الحار لساني، الذي تحوّل إلى حطبة جافة، قابلة للاشتعال في أي لحظة.

كان الصمت سيّد المكان، لا يعكره سوى وقع خطواتنا الوئيدة، تتحايل على الممرات الضيقة في المقبرة، التي تشرئب من أرضها المغبرة آلاف الشواهد.

حاولت بعد حين أن أستجلي الأمر بدقة، لكني وجدت صعوبةً في تحديد اللحظة، التي بدأ فيها صوتي ينهمر كشلال راعد، في نغمات تتصاعد ممزقةً ذاك الصمت الجنائزي المسيطر: الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أن لا…..

كنت في دهشة من أمري، لأنني أنا بالذات -العلماني- من أقام الأذان، دون أن أعلم أهذا يتماشى مع التقاليد السائدة، أم ينافيها!

من المؤكد أني لم أفكّر حينذاك، في مراعاة التقاليد أو مسايرتها، لأني أساسًا لم أكن في حالة تسمح لي بالسيطرة على نفسي التي طغت عليها موجةٌ عنيفةٌ من المشاعر المختلطة، أثناء بحثنا الدؤوب عن حفرة القبر الذي سندفن فيه جثة والدي، المسجّى بهدوء في نعشه، دون أن يدري ما نحن عليه من حيرة، وارتباك شديدين، بسبب ضياع الحفرة التي ستكون مكانًا لمثواه الأبدي.

راح النعش يتطاير فوق الأكف. خفيفًا كطائر يتمايل يمنةً ويسرى، فيما نحن نحثُّ الخطو مسرعين، كي لا يسقط من بين أيدينا، ثم صار يوجه خطواتنا، ويسير بنا، بدل أن نسير به!

هكذا… استسلمنا للنعش الذي قادنا بسرعة مذهلة، بعيدًا عن موكب الجنازة، متجاوزًا المقبرة، باتجاه الشوارع الخلفية للمدينة، التي كانت خالية من البشر والقطط والكلاب، إلى أن وصلنا إلى خرابة واسعة، ربما كانت في يوم ما حديقةً. وجدنا في طرفها القريب من الشارع قفصين كبيرين، مسيجين بقضبان حديدية سوداء، يفصل بينهما ممرٌ ضيّق في آخره سبيل ماء. كان أحد القفصين يحتوي على قبر رخامي. هائل الحجم، بشاهدة مليئة بآيات قرآنية مزخرفة بالخط الكوفي. كأنه ضريحٌ لأحد الأئمة، أما القفص الآخر، فقد كان بابه مفتوحًا، وداخله حفرةً واسعةً جاهزة على شكل قبر بقياسات محسوبة بدقة.

أنزلنا النعش، فنزل بسهولة ومهابة دون أي اعتراض!

حين رفعت رأسي لاستعراض خلفية الخرابة، هالني لون التربة الموحل، شديد السواد، ووجود مئات العجول الصغيرة بألوانها البنية، ملطخة بالطين، تخور بأصوات متنافرة، وتحرّك أذنابها بكسل وتراخ.

كان الجو مشبعًا برائحة “الآس”، وبدأ الظلام يتسللُ مطاردًا بقايا ضوء النهار، حين علا الضجيجُ، فأدركت أن موكب الجنازة الذي ضيعنّاه في الطريق قد وصل.

رفع أحدهم غطاء التابوت، كي ننزل الجثمان، فعَلت همهمة هائلة، وتراجع الحشدُ مذعورًا من هول المفاجأة!

استجمعت قواي، واقتربت من النعش بخوف وحذر. كانت ابتسامة حزينة ترتسم على شفتي والدي، الذي غطت وجهه التجاعيد، وصفرة الموت. كانت عيناه دامعتين ترسلان نظرة عتاب متفحصة.

تساءل بوهن: ماذا حلّ بالمدينة. ألم تجد مكانًا أفضل لدفني؟!

كانت الظلمة حالكة السواد، والريح تعصف بشدّة، أثناء عودتي إلى البيت، بعد دفن والدي. تحولت قدماي إلى قصبتين جافتين، بعد أن هدّني التعبُ والجوع في ذاك النهار. كان قلبي متعبًا، وفي داخلي غربانٌ وخواء. ابتلعتني أزقةُ المدينة الضيقة، المليئة بالوحول، دون أن أهتدي إلى موقع بيتي الذي ضيّعته، كما ضيّعت قبر والدي. كنت أتوق للوصول إلى بيتي، كتوق غريق لقشة يتعلّق بها، ولكن دون جدوى، فأنا لم أعد قادرًا على تحديد معالم الأمكنة. البيوت الطينية كلها متعانقة مع بعضها، ومتشابهة، والأزقة التي ألفتها منذ الطفولة، صارت متاهة لا أعرف بدايتها من نهايتها. أصبح بيتنا بقايا حلم ناء، وموعد دفء بعيد المنال.

لم أفقد الأمل نهائيًا. واصلت السير مجرجرًا جسدي الناحل بصعوبة. حاولت تركيز ذهني لاستعادة نقاط علّام أعرفها منذ زمن موغل في القدم: شجرة البلوط العتيقة القابعة على حافة الطريق، التلّة المرتفعة التي تسبق الزقاق المؤدي إلى بيتنا، وبعض التعرجات التي تضيق كثيرًا، بحيث لا تسمح لأكثر من شخصين بالمرور.

اشتعل الفرحُ بداخلي أخيرًا، حينما عرفت القنطرة الحجرية، التي تؤدي إلى باب بيتنا الخشبي العتيق.

استقبلتني زوجتي بابتسامة دافئة. فتحَت ذراعيها وطوقتني بحنان بالغ. دفنت رأسي المتعب في صدرها. شعرت بطمأنينة لذيذة تسري في جسدي، حين لامس وجهي نهديها الطريين. شممت فيهما رائحة الأنثى، ودفق الحياة. دون أن تتفوه بأي كلمة، راحت تداعب بأصابعها الرقيقة خصلات شعري. رفعت رأسي، ونظرت في عينيها، فوجدت دمعتين صغيرتين تسيلان على خديها المشرقين.

بغتةً، مزّق زئير الريح في الخارج أحشاء السكون، وسمعنا قرع ضربات هستيرية تهزّ باب البيت! انتفضتُ هلعًا من بين يدي زوجتي التي ظلت هادئةً، ترقب بعينيها الوادعتين أرجاء البيت الحاضن لأحلامنا. صرخت: من الطارق..؟! لم يجبني أحد!! صرخت بصوت أعلى: من الطارق.. من الطارق؟! لم يجبني أحد!!

حين فتحت الباب، انصفق في وجهي بعنف! ثم سقطت كتلةٌ باردة لجسد بشري. دققت في ملامحها، وإذ بها: جثة والدي!

 

(*) اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

إغلاق