قضايا المجتمع

“لقمتنا سوا” حيث ينقسم المجتمع وفق خطوط الصراع

“ما بين الطريق إلى موائد رمضان وطريق الآلام الذي نعبره؛ عايشنا أنا وعائلتي كل أنواع المخاوف: الخوف من القتل بالرصاص، الخوف من عدم إيجاد ما نأكله، الخوف من عدم العثور على سقف يؤوينا”.. هذا ما قاله (مروان) البالغ من العمر 51 عامًا، الذي اضطر مع عائلته إلى تحمّل الأهوال التي تعرضت لها مدينته حلب، مدة طويلة.

بعد ثلاث سنوات من الحصار والجوع، فرّت أسرة مروان من شرق حلب، الذي بقي هدفًا لعمليات سلاح الجو الروسي – السوري، مدة طويلة. يقول مروان: “كنا نعيش مأساة حقيقية إبّان الحصار، كنا نفتقر إلى كل شيء: العلاج، الطعام، الوقود، حتى الماء”.

في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2016، استعاد الأسد -بعد مذبحة مروعة- شرق المدينة. وبقيت البنية التحتية والعمرانية المدمرة، شاهدًا حيًا على قساوة الهجمات العشوائية الشرسة التي شُنت ضده.

بالنسبة إلى الذين قرروا العودة إلى أحيائهم، ما تزال مدينة حلب تحمل آثار الحرب إلى الآن. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، عاد نحو 290 ألف شخص، منذ أواخر عام 2016، جميعهم يعيشون على ما يقدمه برنامج المساعدات الإنسانية العامة، التابع لبرنامج الأغذية العالمي، من مساعدات غذائية.

في السنوات الأخيرة، ارتفع منسوب الجوع والعَوز، الذي يهيمن على حياة مئات الآلاف من سكان حلب، إلى مستويات خطيرة. غير أنه بإمكاننا إسقاط هذا المستوى أيضًا على نحو 6.9 ملایین مواطن سوري، يتضورون جوعًا، مع أربعة ملايين جدد، سيكونون عرضة لهذا الخطر، إذا ما توقفت المساعدات عنهم.

قبل عامين، حاول المصور العالمي جيمس ناشتوي أن ينبه إلى ارتدادات الفاجعة، عبر مشهد سوداوي كئيب؛ إذ التقط بعدسته صورة لسوريين في مخيم للاجئين بالقرب من حدود مقدونيا، ينتظرون، تحت الأمطار والأجواء الباردة، دورهم للحصول على مواد غذائية، ووجبات طعام. صنفتها مجلة (تايم) الأميركية ضمن أبلغ وأصدق عشر صور تمّ التقاطُها حول العالم.

مع بداية شهر رمضان، دشن برنامج الأغذية العالمي، حملة رقمیة مبتكرة، تشجع مستخدمي الهواتف الذكية في العالم، على التبرع، لدعم الفئات المحتاجة في سورية، وضحايا النزاعات الأخرى في الشرق الأوسط، عبر الانضمام إلى برنامج (السفرة)، وهي میزة جدیدة في تطبیق ShareTheMeal، تتیح فرصة تقديم العطاء، لعائلات لا تعرف من أین ستحصل على وجبتھا التالیة، ولا يتيح تردي أحوالها تناول أطفالها وأفرادها الطعام على مائدة إفطار في رمضان، بخلاف غيرها من العائلات المتمكنة.

أمام إحدى لجان المساعدات الدولية، استغاث أحد السوريين، في شھر شباط/ فبرایر: “نحن بشر.. نحن مدنیون. لا نستحق ذلك، فأطفالي جیاع، ولا یوجد لدي ما أقدّمه لھم”.

في خطوة مشابهة -شكلًا- أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة الأسد، برنامج (لقمتنا سوا)، لتزويد “الأسر الفقيرة والمهجرة والفئات المحتاجة”، بوجبات إفطار يومية، وسلال غذاء وألبسة، “تنمية لمبدأ التكافل الاجتماعي”.

لكن العائلات التي تمّ اختيارها، كانت من أسر الجيش الحكومي ومراكز الأمن الوطني وكتائب البعث، ثلاث جهات تقاتل السوريين بضراوة منذ إعلان الحرب. ما عبّر عن انتقائيةٍ اعتمدت البعد الطائفي، والولاء للنظام، بصورة مكشوفة.

في حلب، على سبيل المثال، التي يعيش معظم سكانها نكبة الحرب، ويعتمد من ينتمون إلى القسم الشرقي منها بالذات على مساعدات إنسانية دولية، تتألف من حصص غذائية، قوامها الأرز والبرغل والمعكرونة والبقوليات ومواد أخرى، خالية من اللحوم، حيث لم يعد هناك من يتذكر طعمها، أقامت الوزارة إفطارًا لعائلات المقاتلين في جيش الأسد، اتسمت موائده -بحسب الصور التي نشرها الموقع الرسمي للجبهة الوطنية التقدمية- بترفٍ واضح، ليس من الصعب تفسيره.

كشف قسم من المشاهد المتداولة مفارقة إنسانية، عكست حرص نظام الأسد على دعم فئة مجتمعية بعينها، زُودت بأطباق اللحوم ومناسف اللحم البلدي، وتجاهل غيرها، والنظر بسلبية إلى مكونات المجتمع الأخرى. في وقت كان المجتمع الدولي يسعى، عبر المنظمات الإنسانية، لجمع الأموال الكافية من أجل إيصال الطعام وبعض أنواع الغذاء البسيطة، إلى نحو ثلث سكان المدينة، دون تمييز أو تفريق بين مكون وآخر. كي يحافظ الجميع على حياتهم، في ظل عجز الحكومة عن مواجهة كارثة “الجوع السوري”، كما تدعي.

ثمة ما يؤكد أن الأسد المهووس بالسلطة -وهو الذي فك ارتباطه بـ 89 بالمئة من إجمالي عدد سكان البلاد “يعيشون تحت خط الفقر المدقع، جوعى”، ولا يلقي بالًا لهم- يعمل على تقسيم المجتمع السوري، وتفتيته وفق خطوط الصراع على الأرض، بين معارضة وموالاة، و(معي أو ضدي). وعلى هذا الأساس، أمَر مؤخرًا، بزيادة رواتب مقاتليه بنسبة 30 بالمئة من مجموع الراتب، بعد إضافة التعويض المعاشي إليه، وترك القطاع المدني الحكومي، الذي يشك في ولائه، يواجه الجوع والفاقة، على الرغم من وجود تطمينات حول زيادة رواتب أفراده، ساقها رئيس الحكومة غير مرة، في وقت سابق.

في شهر رمضان، كما في غيره من الأشهر، تتلون موائد الطبقة الموالية للأسد. لكن الجوع، والفقر، والتقسيم المجتمعي، الذي تتعرض له غالبية السكان، يطلق مخاوف جدية، من حالة مظلمة، يؤسس الأسد لها، عبر استقطاب مكونات طائفية، وعشائرية، ومناطقية، لتقاتل معه الغالبيةَ المناهضة لحكمه. إن خطوة كهذه من شأنها أن تكون المسمار الأخير في نعش التعايش المجتمعي، ووحدة البلاد، وسلمها الأهلي.

مقالات ذات صلة

إغلاق