أدب وفنون

“ثلاثية الخيال العلمي” رؤية سوداوية لشرق أوسط على حافة نهاية العالم

اختتم يوم الأربعاء الماضي، في العاصمة اللبنانية بيروت، معرض الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور، الذي احتضنته “دار النمر للفن والثقافة”، في الفترة ما بين 11 نيسان/ أبريل و6 حزيران/ يونيو الجاري، وجاء بعنوان (ثلاثية الخيال العلمي). وهو أول معرض منفرد في بيروت لصنصور، التي تعمل وتقيم في لندن حاليًا.

جمع المعرض، الذي افتُتح مساء يوم الأربعاء (11/04/2018)، ثلاثة من أفلام لاريسا صنصور هي: “هجرة إلى الفضاء” 2009، و”مبنى الأمّة” 2012، و”في المستقبل أكلوا من أرقى أنواع الخزف” 2016.

تستكشف هذه الأفلام التي جاءت في إطار من المواضيع المشتركة المتمثلة بالفقدان، والانتماء، والإرث، والهوية الوطنية، جوانب من الاضطراب الاجتماعي والسياسي في الشرق الأوسط.

استشراف المستقبل بلغة الخيال العلمي

يستكشف فيلم (مبنى الأمّة) المصيرَ المشؤوم لشعب بأكمله، حوصر في ناطحة سحاب واحدة، ضمن آخر تجهيز فني من الثلاثية، فيما يستشرف فيلم (هجرة إلى الفضاء) التشريد الأخير للتجربة الفلسطينية، مبعدًا المأزق السياسي الحالي خارج الأرض، بهبوط أول فلسطينية على سطح القمر، بينما (في المستقبل أكلوا من أرقى أنواع الخزف)، تخوض قائدة “ميليشيا روائية” غمار الحرب، من خلال علم الآثار، في محاولة بائسة لتأمين مستقبل لشعبها. باستخدام لغة الخيال العلمي والإنتاج عالي الجودة، تقدّم ثلاثية صنصور رؤية سوداوية لشرق أوسط على حافة نهاية العالم. تعرض الأفلام الثلاثة بصحبة تجهيزات فنية، ومنحوتات، وأعمال فوتوغرافية مرتبطة بالأفلام.

  • “مبنى الأمّة” (2012)

فيلم خيال علمي قصير (مدته 9 دقائق)، يقدم مقاربة بائسة بلغة ساخرة للوضع المتأزم في الشرق الأوسط، من خلال مزج صور مولّفة على الحاسوب، وممثلين حقيقيين وموسيقى إلكترونيكا عربية. يستكشف الفيلم حلًا عموديًا لمسألة الدولة الفلسطينية. في فيلم صنصور، يصبح لدى الفلسطينيين دولتهم الخاصة على شكل ناطحة سحاب: مبنى الأمة. يضم البناء الشاهق كل الشعب الفلسطيني الذي صار أخيرًا يعيش الحياة الرغيدة.

لكل مدينة طابقها الخاص: القدس على الطابق الثالث عشر، رام الله على الطابق الرابع عشر، بيت لحم -مدينة صنصور- في الطابق الحادي والعشرين، وهلم جرًا. من أجل الوصول إلى شعور بالانتماء، يعيد بهو كل طابق تصوير ساحات مهمة ومعالم من كل مدينة. تتبع القصة البطلة التي تلعب دورها صنصور، في رداء فلكلوري مستقبلي وهي تعود لوطنها من رحلة للخارج، عابرةً بهو البناية الضخمة، الحاصل على اعتراف ودعم المجتمع الدولي. بما أنها تجاوزت التفتيش الأمني، تركب المصعد لتصل إلى طابق بيت لحم، وتعبر ميدان وكنيسة المهد على طريقها لشقتها، حيث تحضر طبقًا خياليًا من “التبولة”، ويرافق عرض الفيلم سلسلة صور فوتوغرافية.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/01-2.jpg’ attachment=’120194′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

  • “هجرة إلى الفضاء” (2009)

يقدم الفيلم اقتباسًا طريفًا ممتدًّا من فيلم ستانلي كوبريك “2001: أوديسا الفضاء” في سياق سياسي شرق أوسطي. تم تغيير الموسيقى التصويرية التي يسهل تمييزها من فيلم الخيال العلمي من سنة 1968 عبر وتريات شرقية تتماشى مع الصور السريالية في فيلم صنصور.

يتبع الفيلم مخرجته في رحلة وهمية في الكون، تردد صدى اهتمامات ستانلي كوبريك الثيماتية بتطور الإنسان، والتقدم والتكنولوجيا. لكن صنصور في فيلمها تفترض فكرة وصول أولى الفلسطينيات إلى الفضاء، وتستوحي من هبوط آرمسترونغ على سطح القمر تفسيرًا لهذه البادرة النظرية بأنها “خطوة صغيرة لفلسطينية، وقفزة كبيرة للإنسانية”.

هذا الفيلم القصير من خمس دقائق مليءٌ بصور مشغولة بدقة، في سياق فلكي أشبه بالحلم وبمؤثرات خاصة متقنة. إن الكم الهائل من الانتباه على كل تفصيلة في الفيلم يخلق صورة غير مسبقة لنزوح فلسطيني سحري ومشوق. يعرض الفيلم بجانب منحوتات صنصور المصنوعة من “الفينيل”، بطول 30 سم، والمعروفة بـ “البالستينوتات”.

  • “في المستقبل أكلوا من أرقى أنواع الخزف” (2016)

يجمع هذا الفيلم -وهو أحدث أعمال صنصور- ضمن 29 دقيقة بين الخيال العلمي، وعلم الآثار والسياسة. يستكشف الفيلم دور الخرافة في التاريخ، والحقيقة والهوية الوطنية. تقوم “ميليشيا روائية” بإخفاء خزفيات فاخرة تحت الأرض. هدف هذه المجموعة هو التأثير في التاريخ، ودعم مطالب مستقبلية بأراضيهم المتلاشية. من خلال تطبيق خرافة بحد ذاتها، يصبح عملهم تدخُّلا تاريخيًا، يتسبب بولادة أمّة.

يمثل (آثار في الغياب) تجهيزًا فنيًا ومشروعًا أدائيًا يعمل على جلب الخرافة في الفيلم إلى الواقع. هي سلسلة من 15 ذخيرة برونزية طبق الأصل، تتضمن جميعها أقراصًا عليها إحداثيات مخابئ خزفيات مرسومة باليد دُفنت في فلسطين. إن إحداثيات كل مخبأ لهذه الخزفيات وُضعت خلال عرض دفن حقيقي في أماكن مثل القدس وبيت لحم وغزّة ورام الله والبحر الميت والناصرة وأريحا وحيفا ويافا. وفي ظل غياب الصحون عن المنشأة الفنية، فإن الشظايا والدلالات التي تحملها تمثّل التحف الأثرية غيابيًّا.

“خط الإنتاج التحريفي” جزء من مجموعة أعمال صنصور الحديثة التي تستكشف فكرة استغلال علم الآثار كأداة حربية. ففي فلسطين، تحول علم الآثار إلى وسيلة لفض النزاعات الإقليمية. والقطع الأثرية المستخرجة من الأرض تُستغل لدعم سرديات وطنية تثبت فكرة الأحقية التاريخية، وبدلًا من الاعتماد على القطع الأثرية الموجودة بالأصل في الأرض، تقترح صنصور أن إنتاج ودفن الدليل الأثري الذي سيقوم علماء الآثار المستقبليون بنبشه، بإمكانه أن يكون التوجه الأفضل لفرض خطاب مضاد مناسب.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/02-2.jpg’ attachment=’120195′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

أحدث أعمال صنصور، (وغطَّى وجْهَ كلِّ السماء حتى أظلمَتِ السماء“، يمثل تجهيزًا فنيًا معلَّقًا من 1500 سفينة فضائية صغيرة على هيئة حشرات، تبدو مجتمعة كسرب من الجراد الداكن. من خلال الإشارة إلى الطاعون في العهد القديم من الكتاب المقدّس، يمثل هذا التجهيز الفني تصورًا مستقبليًا ليوم القيامة بدلالات توراتية. عنوان هذا العمل إعادة صياغة لجملة مقتبسة من سِفْر الخروج.

  • رؤى فنية لإطلاق فلسطين من حاضرها المقفل..

تقول الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور: إن “الشد والجذب بين الخيال والواقع ضمن سياق شرق أوسطي سمة أساسية لأعمالي”. وتضيف: “خلال الأعوام الماضية وفي العديد من الأعمال، لم يقتصر تجريبي على الخيال العلمي فحسب، بل شمل أيضًا الأبطال الخارقين للقصص المصوّرة، إذ إن لكلا النوعين قدرة كامنة على ترجمة أهم الطموحات لشعب أو حضارة، بشكل مستوحى –بطبيعة الحال– من واقع غير متخيَّل، دون أن يغدو هذا الواقع عائقًا أو معرقِلًا”.

تتابع قائلة: “على الرغم من قيمته الإنتاجية العالية وصوره المبهرة، فالخيال العلمي غالبًا ما يسمح لما يشبه الحنين إلى الماضي، أن يشكّل إطارًا للموضوع قيد البحث. حتى أبرع أشكال الخيال العلمي، غالبًا ما تحمل حسًّا بالرجوع للماضي القريب، فالأفكار المستقبلية تبدو في المجمل نمطية ومبتذلة، لكنها في الوقت ذاته تنم عن رؤية استشرافية”. مؤكدة أنه “في سياق فلسطين، هنالك شعور أبدي ينبئ بقيام دولة، وبالاستقلال ونهاية الاحتلال. إلا أن الأفكار الطموحة التي نأمل بتحقيقها، غدت منذ وقت طويل مستهلكة جدًا، بحيث أصبح المزيج الغريب الذي يجسده الخيال العلمي، من الحنين إلى الماضي والحسّ بالإنجاز، ملائمًا جدًا في معالجة هذا الموضوع”.

في قراءة بصرية لمنجز الفنانة الفلسطينية، يقول الناقد الفني اللبناني روجيه عوطة، الذي زار المعرض: “من أجل تشييد مكان بلا حد، حيث يدور الزمن فيه بلا أن يجمد، تستند لاريسا صنصور في فنها إلى الخيال العلمي، الذي تحاول التأكيد، بالتصوير والتجهيز والأفلمة، على أنه خيال عملي؛ إذ إنه يتيح لها أن تخرج فلسطين، كأرض وقضية، من التقاطها وتقييدها بمجموع الكليشيهات التي تراكمت في نواحيها، ممسرحةً إياها في مستقبلها، الذي لا يمكن القبض عليها خلاله، لأنه، على الرغم من بيانه، يبقى مجهولًا”. ويضيف: “على هذا النحو، خيال صنصور العلمي هو خيال لإطلاق فلسطين من حاضرها المقفل على احتلاله وحصاره واستغلاله، لفتح قادمها الذي لا ينفصل عن غابرها، ولجعلها ظاهرة بمآلها، ولو كان سوداويًا”.

  • لاريسا صنصور في سطور

ولدت لاريسا صنصور سنة 1973 في القدس المحتلة، ودرست الفنون الجميلة في كوبنهاغن، ولندن، ونيويورك. أعمالها متعددة التخصصات، تتضمن استخدام الفيلم والتصوير الفوتوغرافي والتجهيزات الفنية والنحت. أقامت عددًا من المعارض المنفردة في عدد كبير من دول العالم. عُرضت أعمال صنصور ضمن بينالات إسطنبول، وبوسان، وليفربول، وفي فضاءات عربية وعالمية عديدة.

جدير بالذكر أن “دار النمر للفن والثقافة” افتُتحت رسميًا، في أيار/ مايو 2016، بفكرة ومبادرة من رجل الأعمال الفلسطيني المصرفي وراعي الفنون: رامي النمر. ويشير موقع “دار النمر” الإلكتروني، إلى أن الدار تستضيف الإنتاج الثقافي “الذي يتفاعل مع القضايا الاجتماعية والتيارات السياسية التي تشكل المنطقة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق